حث علي (ع) أولاده وجميع المسلمين حيث قال في وصيته لهم: "ولا تخافنّ في الله لومة لائم، يكفكم من أرادكم وبغى عليكم...".
والمعنى: أي لا تمتنعوا عن القيام بالحق للوم لائم لكم، إذا شرعتم في إنكار منكر وأمرٍ بمعروف، ولا يخيفكم قول قائل، ولا اعتراض معترض، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}…
فأراد (ع) لأولاده ولجميع المسلمين أن يُقدموا رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين؛ لأن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين، وما ذلك إلا لمراعاة الناس وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله.
فبعض الناس يتعاملون بهذا الأسلوب وبهذا المبدأ لأنهم يرون أن الحصول على مصلحة أو منصب، أو تحقيق المعيشة، لا تحصل إلا بالمداهنة.
وقد أكَّدت النصوص على أن المداهنة من أسوأ الصفات كما أكدت على سوء فاعلها، فعن الإمام علي (ع) أنه قال: "شرُّ أخوانك من داهنك في نفسك، وساترك عيبك".
وعن الإمام الباقر (ع): "أوحى الله (عزّ وجلّ) إلى شعيب (ع): إنّي معذّب من قومك مائة ألف، أربعين ألفًا من شرارهم، وستّين ألفاً من خيارهم، فقال (ع): يا ربّ، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه: داهَنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي".
ولذلك نلحظ في وصية علي (ع) أنه يقول:
"ولا تخافن في الله لومة لائم".
فهو (ع) يريد لنا ولجميع المسلمين ألا نداهن على حساب الدين، ولكنه دعا إلى مبدأ المداراة، بل وأكد (ع) على أهميتها وهي مطلوبة في الإسلام، وهي المسايرة التي لا تتجاوز الحقّ، والتودد إلى الآخرين بما لا يؤدي إلى ترك الحق، وهذا ما أرشد إليه رسول الله (ص) عندما قال: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك حقّ".
فإنْ وقفت عند حدود الحقّ كانت المداراة رأس العقل، وعنوانه، كما في الحديث الوارد عن علي(ع) :"عنوان العقل مداراة الناس".
والمداراة أيضاً هي صحبة الناس باللين والرفق، وعدم مجابهتهم بما يكرهون، ودفع الشر بالقول اللين وترك الشدة والقسوة والغلظة.
ولا شك أن المداراة ضرورية في حياة الناس لتمتين العلاقات الاجتماعية ولتسهيل التعامل والعيش المتبادل وشيوع روح التعاون والتآزر بين الناس، وحيث إن عقول الناس مختلفة ومتفاوتة فمداراة الناس أن تتعامل معهم على قدر عقولهم، كما قال رسول الله (ص): "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم".
وكذلك عدم تحميل الناس تكاليف وأعمالاً فوق طاقتهم، والتدرّج معهم في هدايتهم للحق، كما أمر الله موسى وهارون عندما أرادهما أن يذهبا إلى فرعون {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.
ومن المداراة اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدي إلى الملل، قال أمير المؤمنين (ع): "الكلام كالدواء قليله ينفع وكثيره قاتل".
ومن المداراة عدم المجادلة إلا بالتي هي أحسن، وعدم المحاسبة على كل كبيرة وصغيرة، فإن محاسبة الناس على كلّ صغيرة وكبيرة نتيجتُه المتوقعة ألا يبقى أحدٌ لديك لا تحاسبه.
وكذلك غض الطرف عن بعض العيوب والأخطاء تعزز من الصحبة والمعاشرة الحسنة بين الناس، والتكلّم مع الشخص الذي تختلف معه بمودّة أو برفق، ودون انفعال وتشنّج وعصبية، وهذا من المداراة المطلوبة.
والمداراة من أخلاق المؤمنين، وهي من أجلّ الصفات والخلال الحميدة، كما ورد عن أمير المؤمنين (ع) حيث قال:
"المداراة أحمد الخلال".
وقَالَ رَسُولُ الله (ص): "ثلاث من لم يكنّ فيه لم يتم له عمل، ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يردّ به جهل الجاهل"...
وكما يقول أحد الحكماء: "لا يحسن المداراة من لم يكظم الغيظ ويصبر على الأذى...".
——————
اللّهمّ لا تدع خصلةً تُعابُ منّي إلاّ أصلحتها، ولا عائبةً أُؤنّبُ بها إلاّ حسّنتها، ولا اُكرومةً فيّ ناقصةً إلاّ أتممتها، برحمتك يا أرحم الراحمين.



