12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وتعلمت من أحزاني

هل يجب أن يزورنا الموت في عقر دارنا كي نستشعر حقارة هذه الدنيا و صغرها؟؟

كيف إذا اختطف بأنيابه الشرسة أحد أحبتنا فتملؤنا رهبة الرحيل عن الدنيا وانقطاع المرء بعمله، حينها تبدأ رحلة التفكر وصحوة الضمير الذي ازداد رقاده بزينة الحياة الدنيا وطول الاغترار بزخرفها.

ويبقى الفقد غصصًا لا تهدأ آلامها، بيد أن رحيل أخ أو أخت شاركك سنوات عمرك مذ أتيت لهذه الدنيا، يبقى وجعًا دفينًا في أعماقك كشوكة غرزت بقلبك فأدمته إلى ما لا نهاية.

وأي كلمات تفي بحقك أيتها الحنونة التي كانت ثقافتها الحب لله والابتسامة لجميع خلقه وحسن العشرة حتى مع من لا يمتلكون أخلاقها القائمة على حسن النوايا.

وكيف لقلبي الذي تعلق بأذيال الأمل وأدمن النظر إلى وجهك ساعات طوال على مدى شهور مذ شاء الله أن يريحك من أوجاعك فجرت مشيئته واختارك لجواره الذي هو خير الجوار، وجعل تلك المسافة الزمنية تمهيدًا لفؤاد والدة ثكلى أذاب مهجتها فقد ثالث قطعة من روحها، كلما رأيت دموعها تشق أخاديد على وجناتها أجتهد بلسان يلهج بالدعاء أن يربط الله على قلبها ويؤتيها من صبر زينب التي كانت مثقلة بأشد الأحزان فهزمتها بجبل الصبر والصمود والشموخ الذي يحول المصيبة لانطلاقة تجدد القوة وتعيد المرء لرشده.

من نعم الله علينا أننا نتجه في التعبير عن مشاعرنا لرموز الحب لدينا ومن نعتبر أن أحزانهم أحزاننا ونجد لكل مصيبة تصيبنا موقفًا مماثلًا من حياتهم وتصبح أحزاننا لا شيء مقابل تلك الابتلاءات التي مروا بها قدواتنا الأئمة الطاهرون عليهم السلام.

كل شيء يبدأ صغيرًا ثم يكبر بالتدريج إلا مصيبة الفقد، تبدأ كصدمة عنيفة تهز كيان من يواجهها ومع الوقت واستيعاب الأزمة يحدث التوازن في التفكير والسلوك والتسليم والرضا بقضاء الله و قدره، ويحاول المرء تجاوز المحنة ومواصلة حياته، حيث إن الفراق من سنن الله على ابن آدم وهو قدر حتمي ومحطة نهاية يصل إليها كل بني البشر.

من أروع ما نستفيده من دروس في مدرسة الموت أن هذا الزائر الذي يأتي قسرًا غير مرحب به لا يكون نهاية حياة لمن أراده بداية في عالم آخر وحياة أخرى تتباين من حيث العمل و العاقبة ومستوى جاهزية الفرد والاستعداد لتلك الدار الآخرة.

بعض الموت يصبح حياة خالدة لمن أرسى بأعمالٍ إنسانية وبعطاء يشمل كل من حوله وتمتد روافده حتى للأبعدين، مثل هؤلاء يخلدهم التاريخ في سجل البقاء في صفحات ناصعة تبقى مدى الزمن ولا يمكن أن يغيبهم الموت.

ومن جانب آخر قد يصنع موت إنسان حياة لغيره سواء كان الفقيد مرتبطًا معهم بقرابة أم برابط آخر، يبقى أن هذا الحدث الذي يهز أعماقنا برهبته ووحشة المكان بعد أن يأخذ من سقطت ورقة عمره، حدثًا لا يشبه أي أحداث تسبب تغييرًا جذريًا في كل زوايا حياتنا.

وبعد يا شفيقة القلب وجميلة الروح ومليحة الطباع، لك من اسمك نصيب كبير، فإن فراقك الذي أقرح جفوننا وأدمى أفئدتنا التي أصبحت مرتعًا لمشاعر اختلف نبض، فهو تارة يضج بالحسرة والألم، وتارة تلتهب فيه الأشواق ويلح الحنين لرؤية أماكنك التي بدت باردة إذ تخلو منك، بيدّ أن هذا التوقيت الذي اختاره الله لك في شهره الكريم في عشرة المغفرة و في الليالي التي إحداها ليلة خير من ألف شهر وتلك خاتمة حسنى إن شاء الله لفقيدتنا المغفور لها بإذن الله.

رحمكِ الله يا أختاه وأبدلكِ دارًا خيرًا من هذه الدار الدنيا، وعوضك بالجنة والرحمة ونعيم الآخرة.ض


error: المحتوي محمي