أمير المؤمنين (ع) في وصيته هذه يلفِتُ الأنظارَ إلى أهمية التوجُّه إلى جوهر الصوم ورُوحه ومقاصده، ولذلك قال:
"الله الله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جُنة من النار".
ولا يريد منا الاقتصار على مجرَّد القيام بهيئة وصورة الصوم؛ بل يريد منا أن نركز على الجوهر، ولا يكون ذلك إلا بإخلاص العمل لله - عزَّ وجلَّ - والحرص على تحقُّق معاني الصوم، ،وتحقيق أهدافه ومقاصده.
ولذا نبّهت وحذّرت بعض الروايات الذين يصومون، وفي الحقيقة هم يُتعبون أنفسهم بالجوع والعطَش، ويفوتهم الثَّواب، ولا يستفيدون من مقاصد الصيام؛ إمَّا لأنَّهم يَخْلطون طاعتهم بالآثام التي تفوِّت ثواب العبادة، فلا يستفيدون منها، وإمَّا لأنهم لا يؤدُّونها إيمانًا واحتسابًا، بل يفعلونها متابعةً وتقليدًا، فتُؤدَّى منهم صورةً، ولا يعيشونها حقيقة.
فالصوم الذي يترك أثراً طيِّباً ونافعاً في النفس، هو الذي يحصِّن الإنسان روحياً وأخلاقياً، ويَحُول بينه وبين اقتراف الذنوب والمعاصي، ويقوّي من إيمان الإنسان وعزيمته وإرادته وإخلاصه.
رَوَى الإمام الباقر (ع)، أنّ رسول اللهِ (ص) قال لجابر بن عبدالله: «يا جابرُ، هذا شهرُ رمضانَ، مَن صامَ نهارَهُ، وقَامَ وِرداً من لَيلِهِ، وعَفَّ بَطنُهُ وفَرجهُ، وكَفَّ لسانَهُ، خَرَجَ من ذنوبِهِ كخُرُوجِهِ من الشهرِ». فقال جابرٌ: يا رسولَ الله، ما أحسن هذا الحديث! فقال رسولُ الله (ص): «يا جابرُ، وما أشدَّ هذه الشروط!».
لقد جعل الله تعالى لهذا الشهر حُرمة وقداسة ومنزلة رفيعة، ممتلئة بكلّ ما ينفع الإنسان في توجّهه لخالقه، وسؤاله إيّاه، والتزام طاعته، وإفادته من هذه الطاعة بما يصلح شؤونه.
ويكفي لهذا الشهر ميزة، أن أنزل فيه القرآن الذي هو دستور الحياة كلّها، وعظمة هذا الشهر تفترض منّا أن نكون على قدر مستواها، وأن نسعى لنحصل منها على ما يسمو بنا ويطهّرنا من أدراننا، وأن نستغل كلّ دقيقة من شهر رمضان في الدُّعاء والتقرّب إلى الله، وأن يكون دعاؤنا نابعاً من قلبٍ مؤمنٍ سليمٍ.
ولذلك، جعل الله هذه الثلاثين يوماً فترة تدريبية في حضرته (سبحانه وتعالى)، أي أنّ الله يراقبك وأنت تتدرّب، والذي يتدرّب أمام الله، خصوصاً في الجانب الداخلي، فمن الطبيعي أن تدريبه يجب أن يكون مركّزاً، ولابدّ من أن يشعر الإنسان بالنجاح فيه، لا سيّما إذا عرف أنّ دور الصوم مستقبلي، وليس دوراً يتحرّك في الحاضر فقط.
جاء في الحديث: «إلا الصومُ فإنه لي وأنا أجزي به».
فالصيام فعل تقوم به لتهذيب حياتك، بحيث لا تجعل هذا الشهر للنوم والكسل في النهار، وإضاعة الصلوات، أو تأخيرها عن وقتها، والسّهر على ما يسخط الله ويغضبه من لهو ولعب ومشاهدة القنوات، فتضيع عليك أشرف الأوقات فيما لا فائدة فيه، بل يريد الصوم أن يعدل أسلوب تعاملك مع نفسك ومع الناس.
تذكروا أيها الأحبة دائماً أن حقيقة الإنسان تظهر جلية وبارزة وواضحة من دون أي مكياج أو ديكور، حينما يكون إما غاضباً أو خائفاً أو جائعاً، بالتالي من يحوله الصيام لإنسان يتوجب أن «تنفر» و«تفر» منه الناس، فقد ابتعد عن غاية الصوم، فأجر صيامه سيطير بسبب أذيته للآخرين وسوء تعامله، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}…
لأن الصيام «أخلاق».. لا «انعدام أخلاق»!
وهذا ما يريده علي (ع) من هذه الكلمات النورانية...
نسأل الله أن يحقِّق فينا مقاصد الصِّيام، وأن يرزقنا الإخلاص، وأن يتقبَّل منا الصوم وسائر الطاعات...
——
اللهم تب علينا حتى لا نعصيك وألهمنا الخير والعمل به وخشيتك بالليل والنهار ما أبقيتنا يا رب العالمين.



