ورد عن الإمام الحسين (ع ): "إن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلامًا" (أمالي الصدوق ص ١٥٩).
السبق إلى الإيمان بالإسلام ودعوة الرسول (ص) يدل على شخصية عظيمة لا تمت بصلة لوصف زمن الجاهلية المظلم، وإنما يدل على عقل راجح لم يصب بشيء من التحجر والتعصب والتقليد الأعمى والهذيان، وينبئ عن نفس عالية تنسجم وتجدها ضالتها في القيم الأخلاقية الرفيعة والطهارة من دنس المنكرات والفواحش، إن إيمانها وتسليمها للحق والتوحيد نابع من جمال روحها وصفاء قلبها.
نتحدث عن تلك المرأة التي عاشت في عصر الظلام القيمي والفقر الأخلاقي والعمى الفكري، والذي كانت مظاهره الانحراف العقائدي بعبادة الأصنام والانحلال الخلقي وانتشار الموبقات المهلكة كالقمار وشرب الخمور وسفك الدماء لأبسط الأمور، وهذه الوعورة في المجتمع المكي برزت منه زهرة زاهية برجاحة عقلها ومنطقها الحكيم وطريقة تفكيرها المتأني، وتاج صفاتها الحميدة العفة والحياء ونزاهة العرض والشرف، فلم تتلوث بأي مظهر من مظاهر الرذيلة، وما كانت تملكه من ثروة مالية لم يزدها إلا تواضعًا وأخلاقًا رفيعة يشهد بها كل من عاشرها وتعامل معها.
والتربية التي تحلت بها مولاتنا السيدة خديجة (ع) تجلت في مواقفها المختلفة، ومنها علاقتها بزوجها الرسول الأكرم (ص) التي اتسمت بالحب والاحترام والوفاء، فكانت له خير معين في مواجهة متاعب تبليغ الرسالة وتكالب الأعداء، وكفى برجاحة عقلها شاهدًا ارتباطها بأفضل الخلق وسعيها لذلك، فما جعلت المعيار المالي أو الوجاهتي مؤشرًا لشريك حياتها، بل كانت السمة الأخلاقية للرسول (ص) هي ما حرك مشاعرها وفكرها نحوه، فقد هامت بصدقه وحيائه وسمته الهادئ ومنطقه الجذاب، فوجدت فيه روحها والشخصية التي تستحق قلبها وكيانها.
وكانت مصداق الكفاءة والجدارة في تحمل المسئولية الرسالية، فمع معرفتها بما سيواجهه زوجها (ص) من مصاعب ومتاعب في طريق هداية الناس، إلا أنها استعدت لتلك المواجهة مع الوجوه الظلامية ودعاة تحجر العقول، فأقبلت على مساندة زوجها والشد من أزره والتخفيف عنه فيما يواجهه من عناد وتزمت زعماء قريش، وما بخلت بشيء من وقتها وجهدها في سبيل إحاطة دعوة النبي بالقوة في زخم مواجهة ليست بالسهلة، وأما مالها، وما أدراك ما مالها، لقد نثرته بين يدي الدعوة وجعلته تحت تصرف الرسول (ص) إيمانًا واحتسابًا، إنها العظيمة في عقلها وعطائها منقطع النظير، والذي شكل دعامة كبرى للإسلام.
وكانت السيدة خديجة (ع) في قمة الوفاء مع زوجها (ص)، فلم تغادر أي موقع من مواقع إعلاء كلمة الإسلام، وحينما وقعت قريش وثيقة الحصار الاقتصادي والاجتماعي على النبي (ص) ومن آزره من بني هاشم، كانت السيدة خديجة (ع) يدها بيد الرسول غير آبهة بما سيواجهونه من ضيق مادي وشظف عيش لا يطاق ويحتاج في تحمله لهمم عالية، فرغد العيش وهنيه في فكر هذه المرأة العظيمة ليس بافتراش الحرير والتلحف به والتزين بالذهب، وإنما هو في القناعة وطيب القلوب ورباط المحبة والاستظلال بالسعادة مع زوج يقدرها، فالحياة المادية مهما اتسعت فإلى زوال وفناء والبقاء للأعمال الصالحة والسيرة الحسنة للمرء.
والسيدة الجليلة الطاهرة كتبت تاريخها بأحرف ذهبية، فلم يُعهد في الطهر والرشد والوفاء وجمال الروح بأعلى درجات الكمال إلا في قلة، ومنهم السيدة خديجة (ع).



