أن تحب أرضك ليس لفظًا أو كلامًا عابرًا، وأن تحب ناسها ليس بالنوايا وحدها وما تكنه الصدور، إنما بالشيء المحسوس بالعمل الملموس، الفعل المحقق لترجمان القلب واللسان، ورحم الله كل امرئ نذر نفسه لخدمة أرضه والناس.
ومن جميل الخصال أن ترى روح الإيثار متمثلة في إنسان تراه أمامك وهب سنين عمره في خدمة وطنه، إنه أستاذنا الفاضل الكريم بعطائه فهو بحق نموذج للكثيرين ممن ضحوا وبذلوا الكثير والكثير في سبيل أمتهم، وما يحز في القلب أن منهم من مروا من أمامنا مرور الكرام وقدموا ما قدموا ولم يلتفت إليهم أحد، وإن حاولنا تذكرهم فعلى استحياء وبالكاد نلقي عليهم تحية أو سلامًا، حري بنا أن نلتفت إليهم تكريمًا يليق بهم، وإن تشاغلنا أو تقاعسنا عنهم فأضعف الإيمان إبراز مكانتهم ولو بالكلمة الطيبة، عسى أن نجزيهم شيئًا أو بعضًا من رد الجميل.
وليت كلماتي تفي بحجم إنسان حب مجتمعه قولًا وفعلًا دون منّ أو أذى منذ أن كان صبيًا وإلى اليوم ألا وهو أستاذنا النبيل، السخي بكرمه، فكلما تواجد في مكان، أوجد فيه حراكًا نفعيًا ينعكس على الآخرين، وإذا تنقل من مؤسسة رسمية إلى أهلية سعى جاهدًا لأن يظفر الجميع بالفائدة، فروحه وثابة، طيفها واسع بألوان المحبة للجميع، يتمتع بنظرة بعيدة المدى وحريص على أن يلبي طموح الفنانين فقد كان مبادرًا قبل 25 سنة لتحويل الصالة الرياضية التابعة لمركز الخدمة الاجتماعية في مبناه الجديد لكي تصبح مقرًا لنادي الفنون تخدم جماعاته المتنوعة (تشكيل، وتصوير، وخط، ومسرح)، حول الأماني والأحلام لمطلب مطرد، مخاطبات مستمرة واتصالات مستفيضة، ولم ييأس من تحقيق ذلك فكان له ما أراد، وبالفعل هبت وجوه نضرة وسواعد فتية وأنامل مخضرمة جمعها حب الفن والبلد، تدفقت على مقر جاذب وجدت فيه ضالتها، واستشعرت أنه يلبي احتياجاتها، أتت بعزم وفرح وحماس متقد، مترجمين هذا المكان كواحة ظليلة من الفن؛ ففي كل عام تقام المعارض الفردية والجماعية، وفعاليات عديدة؛ محاضرات ودورات فنية، وندوات وورش تشكيلية، وأنشطة متنوعة توالت تباعًا، خدمت تطلعات أجيال وصقلت أنامل، وأثمرت إنجازات عرفها القاصي والداني وهي بحق فخر للقطيف وأهلها، وقف وراءها الكثيرون من عضو لجنة ورئيس ناد ورؤساء جماعات وأعضاء مؤسسين ومنتسبين ومن ضمنهم أستاذنا الغالي الذي هيأ المكان مسبقًا ورعى نادي الفنون منذ تأسيسه عام 1996م.
وأصبح المكان منارة ثقافية وقبلة كل قاصد.
حين أحيل سيدنا إلى التقاعد قبل 15 عامًا، ظننا أنه سوف يستريح من عناء العمل الوظيفي والتطوعي معًا، لكنه تقلد الثاني كوسام شرف أينما حل وارتحل، عنوانه رمز سناء بشعلة عطاء، ولا يحلو لجماعات نادي الفنون إلا برؤيته، يستبشرون به خيرًا، فهو يعزز من حراكهم، لا يألو جهدًا ولا يدخر رأيًا إلا وتقدم به في سبيل تسيير عجلة نادي الفنون التابع للجنة التنمية الاجتماعية بالقطيف، ويسعى جاهدًا بجمع التبرعات من أهل الخير لإقامة الفعاليات والورش خصوصًا لجماعة الفنون التشكيلية، فألف تحية لمقامك وقبلات وفاء لجبينك أيها السيد (وخادم القوم سيدهم).
بعمرك السبعيني وخمس سنوات نراك شابًا يافعًا متجددًا وكأن رقم العمر لا يعنيك، يخالجنا فرح وينكفئ سؤال لماذا كل هذا؟ لأنك تملك روح وحماس الشباب خدمة لشباب وشابات البلد، حبك لتقديم العون مطبوع في ذاتك، ومن انطبع على العطاء لا ينفك منه أبدًا.
بالأمس شجعت الفنانين الذين شاركوا في أول معرض تشكيلي في القطيف بنادي البدر عام 1969م، وقد مر الآن على إقامته خمسون عامًا وأنت كما أنت لم تشبع من تشجيع أهل الفن، دعمك متواصل لمختلف الأجيال، تحدّث الصغير والكبير والمبتدئ والمبتدئة والفنان والفنانة، بروح أبوية حانية تتوالى الأيام، وتتعاقب أجيال وراء أجيال، رحل منهم من رحل، وهجر الفن من هجر، وأتى من أتى، ولم تزل سيدنا على الثبات، ترعى الفن وأهله في قطيف الخير.
يا أيها الرجل الخلوق كُرّمت أكثر من مرة، وكم نسعد بسماع ذلك يا سيد المتطوعين، فهذا ليس بمستغرب في حق شخصكم الكريم، أن تقلّد وسامًا هنا أو هناك، هو فعل جميل من أهل الوفاء والشيم، أن تحظى بعيون الرضا هو مقدار حب أنت أهل له، يا من سكنت القلوب، تضحياتك كبرى، عطاءاتك متجددة طوال سنين، بضعة منها شهدناها عن قرب، وبمواقف أدركناها أفعالًا لا كلامًا وبذلًا أبصرناه عين اليقين.
يا من حظيت بمحبة الجميع وتعاليت على الصغائر، وترفعت عن سفاسف الأمور وتجاوزت سوء الفهم والظنون، كم من دعم خفي أسديته، وكم من حاجة سعيت في الحصول عليها وكم من صعاب ذللتها في سبيل مصلحة الجميع، ورعاية منقطعة النظير لجماعة الفنون التشكيلية بالقطيف، نحن جماعتك وأنت جامعنا على الألفة بصوت واحد رفع راية البلد خفاقة بالفن والثقافة، يا من أحببتنا وأحببناك كيف نجوع خدميًا ومطلبيًا وتحفيزًا وتنشيطًا وأنت بيننا؟



