الجولة الثالثة والأخيرة حول المظاهر التي نراها في شهر رمضان المبارك هي تفريغه من معانيه السامية ومكانته القدسية، ونفحاته الربانية.
من يراقب ويتمعن يرى بوضوح، وبأسف شديد أننا بعيدون كل البعد عن حياض البركة ومواطن الرحمة والجود والكرم الإلهي، وقد حولناه بدلًا من ذلك إلى لهوٍ ولعبٍ وأنسٍ، وصرنا نتفنن بممارسة ما يخالف المندوب ولا يتوافق والمطلوب، نسهره هائمين بين أزقة الالتهاء، واضعيه في خانة الاستغناء، خلافاً لرسالته الحقة، والالتزام الصحيح به، والقيام بما رغبنا الرب (عزّ وجل) وأوجبه علينا فيه، وهو الذي فرش لنا موائده، وبسط أمامنا عوائده الجميلة، وأتاح فرص التوبة والمغفرة، وفتح أبواب الرحمة على مصاريعها، وعبَّد طرق النجاة على اختلافها، عطاءً من فضله وكرمًا من منِّه - سبحانه وتعالى - ونحن بدلًا من أن نتهافت على ذلك راغبين، ونتسابق نحو قربه مشتاقين، ترانا نصد عنه غير آبهين ولا مبالين، تأخذنا الغفلة إلى غير طريقٍ سواء، يستدرجنا الشيطان إلى مواطن الحرمان، ومجالس الندامة والخسران.
لا ندري كيف يستقيم لنا حال، ونرجو من الله تعالى ما نحن بحاجته في الدنيا والآخرة، وأفعالنا على غير هدى، متغافلين عن ذلك قصداً وجهلًا، ما بين متابعة ما تعرضه قنوات الفضاء من برامج تخجل منها المروءة، برامج تعرض على اختلافها بالعمد في هذه الأيام، مما يجرح ويحرج كرامة الآدميين، وقد تم اختيارها بعناية فائقة لتكون مدعاة للسقوط بين براثن الحسرة والندامة.
وكيف يستقيم الحال ومجالسنا ومنتدياتنا تأخذ كل أوقاتنا المتاحة لتنظيم الفعاليات والمسابقات والمباريات والبرامج البعيدة عن قدسية وحرمة هذا الشهر الفضيل؟! كيف يكون ذلك ونحن بين المزارع والمقاهي والملاهي والمطاعم والمجمعات التجارية لا شغل لنا غير الركض وراء الدنيا وما ينسينا أننا في شهر الله تبارك وتعالى؟! وكأنه لا يوجد وقت طوال السنة سوى هذه الأوقات العظيمة والتي يجب أن نستغل كل دقيقة فيها للاقتراب أكثر وأكثر من السماء، لا أن تضيع أيامه ولياليه هباء في هباء.
فلماذا لا يكون البديل هو ما يريده الرب الجليل، من انشغال بالعبادة والمستحبات، والعمل بأسباب الخير والفلاح والمعروف، فأين نحن من فتح قنوات العطاء الرباني، وإقامة الفعاليات النافعة لمختلف طبقاتنا، والتي كانت تقام إلى عهد قريب ما بين المساجد والمجالس والديوانيات والحسينيات، يستضاف فيها علماء الدين ومختلف الثقافات، ومن المختصين في علوم الاجتماع والمعرفة والتاريخ والأدب وغير ذلك.
يجب علينا أن نبحث عن المردود النفعي الجمعي والفردي على حد سواء، وهذا سبيل واحد من سبل العمل في هذا الشهر الفضيل، والأهم من ذلك كله هو التوجّه نحوه سبحانه في هذه الأيام والليالي وليس الصد عنه، بالسهر ليلًا على غير رشد وهدى، والنوم طوال النهار بلا اكتراث ولا اعتناء، ثم ماذا؟ هل يحق أن نلتمس ما نحن بحاجته في ليلة القدر العظيمة ونحن لم نتهيأ لها أصلاً، ثم نأتي رافعين المصاحف على الرؤوس طالبين القرب والرحمة والغفران والعتق من النيران في طقوس مندوبة ومعتادة كل عام، ولكننا لا نعطيها حقها من الاعتناء لتحمل مضامين القرب والرجاء، سوى ثقتنا به (عز وجل) وهو الرب الكريم والمسامح الغفور الرحيم، وهو كذلك ولا كذلك غيره، الذي يقبل القليل ويعفو عن الكثير وخاصة ونحن في شهره الذي يجزي به، وهو أكرم الأكرمين، ولا شك أنه فاعلٌ بنا ما نرجوه ونأمله، وبأن يتفضل علينا بما نحن محتاجون وعنه لاهون، وها نحن نسأله المغفرة والرضوان والعتق من النيران، وبألا يؤاخذنا على ما نفعل نحن المقصرون وأن يأخذ بأيدينا مع العاملين في هذا الشهر، مأخذ كريم جواد متفضل منان.
فيا رب شهر رمضان وما أنزلت فيه من القرآن وفرضت على عبادك فيه الصيام صل على محمد وآله الكرام وارزقنا حج بيتك الحرام في عامنا هذا وفي كل عام، واغفر لنا تلك الذنوب العظام فإنه لا يغفرها غيرك يا رحمن يا علام برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على محمد وآله الطاهرين.



