12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

جوع وأي جوع 2-5

في ليلة من ليالي شهر رمضان المقمرة، وتحديدًا ليلة النصف من عام 1396 هجرية، الموافق 76ميلادية، أقف متأملًا أمام لوحة بعنوان "الجوع"، تصور طفلًا هزيلًا يشير بإصبعه إلى قدر مغلق لوليمة انفض عنها أصحابها، يمني النفس بأن يجد شيئًا من بقايا طعام! هذا العمل رأيته ضمن المعرض الشخصي للفنان حسين عبد الجليل القطري، والذي أقيم على صالة مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف "المبنى القديم".

وبعد مدة من الزمن وعند مطلع الثمانينات أرى لوحة أخرى عن "الجوع" للفنان البحريني عبد الله محرقي، تمثل طفلًا شاحبًا ذا ملامح أفريقية جالسًا على الكرة الأرضية وحيدًا، واضعًا يده اليسرى على خديه، وأمامه صحن فارغ، يرقب مركبة تغزو الفضاء! طفل يختزل شعوب البؤس والفقر التي تهلك جوعًا وتسافر للموت قبل الأوان، ومركبة فضائية تسافر إلى فضاءات الكون مدفوعة بالعلم وبالمليارات تستكشف المجهول، تفوق يبنى وشعب يفنى، أفواه لا تجد قوت يومها، وعيون لا ترى الضعفاء من حولها نظراتها مصوبة نحو الفضاء، مفارقة قد تبدو صادمة، لكن واقع الحال أشد ضراوة وقسوة، الأغنياء يزدادون غنىً والفقراء يزدادون فقرًا، وهل صحيح لا نتذكر الجوعى والفقراء إلا في شهر رمضان؟

كم من أناس بيننا تعيش حد الكفاف، وكم من عوائل متعففة عن سؤال الناس، بشر موزعون في أصقاع العالم لا تحصل على الفتات يطويها الموت جوعًا؟!

ثمة أعمال فنية أخرى لفنانين آخرين تناولوا الجوع موضوعًا وتعبيرًا، ففي عالم الأدب يبرز اسم للكاتب النرويجي "كونت هامسون"، في روايته الشهيرة التي حاز عليها جائزة نوبل بعنوان "الجوع" 1920م، رواية واقعية نفسية تحبس الأنفاس تصور أشد حالات الألم والوجع بسبب ضراوة الجوع وهو الثيمة الأساسية للشخصية المحورية، رجل صحفي مشرد يعانى من قسوة الجوع لدرجة قيامه بقضم أصابعه ونتف ملابسه، يلوك قطعة خشب في فمه دون جدوى، يهذي ويقول "إنه الجحيم أن يتحرك المرء يشوهه الجوع حيًا"، و"أي شيء لا يتأثر به الواحد إذا كان جائعًا"، المونولوج الداخلي فذ رسمه الكاتب ببراعة، وأسلوبه المميز تأثر به الكثير من الروائيين العالميين.
وكم صير الإبداع من الجوع وليمة دسمة لفضاءاته المتعددة، وما بين جوع وجوع يكمن جوع آخر، فكلما أحسست على الدوام بجوعك الفني أيها الفنان ويا أيها الكاتب والأديب والشاعر، فهو أقوم لذاتك، دع ذائقتك تقودك لتشبعها يوميًا كوجبة طعام، املأها تأملًا وفكرًا وقراءة وممارسة واستمتاعًا، ولا تبخل بإظهار إنجازاتك، قدمها زادًا لغيرك، لعله يشبع شيئًا من نهمه للحرف أو اللون، طبعًا إذا أتقنت عملك بصورة مقنعة ومحفزة للشهية؟!

للفن رائحته الجاذبة، جوع قادني في تلك الليالي الرمضانية المباركة لزيارة معرض "حسين القطري" أكثر من مرة! ومن بين جنبات لوحاته البالغ عددها 30 عملًا، أمر عليها واحدة تلو الأخرى وأتأملها بشهية مفتوحة، والدهشة تحاصرني لمأدبة فنية تحمل توقيع فنان واحد، لم تكن مألوفة حينها في مجتمعنا المحلي.

هذا المعرض الريادي يعتبر علامة في مسيرة الفن التشكيلي القطيفي، حدث ذلك قبل 44 عامًا في مثل هذه الليالي المباركة.


error: المحتوي محمي