12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

جوع وأي جوع (1-5)

يوم كنا صغارًا نطلق على رمضان بشهر الجوع، نرى الأكل أمامنا ونجزع، حرام أن يلامس اللسان والشفاه، ولكم أرعبونا الأهل والأصحاب بكلمات التهديد والوعيد "إذا أكلت في النهار فأنت في النار"، كنا نكره الشمس وندعو عليها بالغياب، ننشد قدوم الليل "أذن يا مؤذن ترى الصيام جاعوا.. وإذا منت امأذن، جاك الوجع في ساعة"، ونرقص فرحًا على دوي مدفع الإفطار بدارين (بم) صوت يأتينا من بعيد ونصيح وسط الفريگ "فارت الواردة وأميمتي قاعدة"، لم تكن أمهاتنا جالسات بل متعبات لا يعرفن للراحة سبيلًا، لا خدامة تساعدهن ولا تقنية العصر تخفف عنهن الأعباء، منهكات طوال اليوم!

مع حلول الظلام يؤنسنا نداء "الله أكبر.. الله أكبر"، تخلو الأزقة من المارة، دروب شبه موحشة، إلا من صوت القطط، ضوء الفوانيس ينير المائدة، أفواهنا متلهفة، نلتم في حضن العائلة التفافا على سفرة الخوص الدائرية، نرقب فطورنا التقليدي المزدان ببعض عطايا الأهل والجيران، وما إن ينتهي الوالدان من الدعاء "اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا"، يشرع الأب بمد يده وتعقبه الأم ثم تتوال الأيدي تباعًا، نسد جوعًا قد يكون عند بعضنا كاذبًا، يعني "أكرم بطنه خفية أثناء النهار"، وفي اليوم التالي تتعالى مجادلات البراءة والتشهير بين صبيان الفريگ "من قال إنك صايم؟ لا والله عجل أنت اللي صايم، شكلك ما شفت لصيام من وينه! اسكت بس اسكت يا فاطر.. چداب من عيونك فاطر، وأنت بعد باشوف لسانك، لونه فضحك.. فاطر فاطر...".

وكان البعض منا يتحايل مرضًا إذا ضبط وهو يأكل خلسة، فيوزع الآلام على جميع أعضاء جسمه ليستعطف من حوله "أنا مريض أنا تعبان ما أقدر على لصيام"، وبحنية الأمهات يهمسن في آذاننا "يا أولادي صوموا نصف يوم إلى قريبات أذان لظهر، وإذا جيتوا تسرقوا لا تأكلوا قدام أحد، خلوا هذا الشي بينكم وبين ربكم"، إنه تدريب مبكر لنتعود على الصيام إلى أن نصل سن البلوغ، عرف متبع وهو ما يسمى "صيام العصافير".

كانت نوايا أهلنا الطيبين ترشدنا لفعل الخير بصورة مقنعة ومرضية، أثناء تدربنا على الصيام كان وضعنا متعبًا، فالسهر لا يمتد معنا إلى نصف الليل، حدودنا الساعة العاشرة، نخلد إلى النوم بعد أن يهدنا التعب من ممارسة ألعابنا الشعبية، وأحيانًا لا نتسحر، ومن الصباح يوقظنا حراك أهل البيت وجلبة المارة بين الطرقات.

صيام "زمان أول" كان شاقًا عند الجميع، حيث كل المهن قائمة بسواعد أهل البلد، وتمارس طوال شهور السنة وأغلبها في النهار، واليد العاملة الأجنبية لم تطأ أقدامها أرضنا بعد، وعموم النساء يكدحن من طلوع الشمس إلى ما بعد الإفطار، والتعب يتضاعف خصوصًا في أيام "الگيض"، لا مكيفات، لا مراوح، لا ثلاجات، وبعض البيوت لا يوجد بها حتى كهرباء، واستمر هذا الأمر لغاية منتصف السبعينات من القرن الماضي، بعد ذلك تبدلت الأحوال تدريجيًا، ودخلنا شيئًا فشيء عصر الرفاهية والرخاء، والاتكالية على الغرباء، والأغرب حتى وجبتا الفطور والسحور لم تعودا كاملتين من صنع البيت، وشتان بين صيام الأمس وصيام اليوم، رمضان الماضي كان مضنيًا، الجوع والعطش ينهشان الأبدان، الكادحون والمطحونون الذين صلتهم الشمس في سبيل لقمة العيش كانوا يقولون "افراق رمضان عيد"!


error: المحتوي محمي