ورد عن الإمام السجاد (ع): .. فإذا كان عمري مرتعًا للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق مقتك إليَّ أو يستحكم غضبك عليَّ (دعاء مكارم الأخلاق، بحار الأنوار ج ٧٠ ص ٦٤).
حب البقاء واستمرار الحياة بأي صورة وحال كان هو أمنية عند كثير من الناس، فليس هناك من أمر تضيق به صدورهم كذكر الموت وفصيل الحديث عنه أو الإجمال أو التلميح، ففكرة البقاء ترتبط عندهم بمبدأ السعادة والتنعم بمباهج الدنيا بكل ألوانها، فهل رغبة المؤمن تتحد وتتوافق مع أمنيات أهل الدنيا وعشاقها؟
الحياة وفق الفكر الديني مرحلة عمل وهمة يعمرها المؤمن بطاعة الله تعالى في كل تفاصيل عمله ومنطقه وعلاقاته، فيزن الأمور بمبدأ الربح والخسارة في علاقته بربه، فكل عمل يقربه لمولاه فهو فوز مبين، وكل مخالفة يرتكبها باتباع الشهوات والأهواء محط خسارة وندم، ولذا ينطلق المؤمن لتكون حياته انتصارات متتالية بإتيان الطاعات، فكل يوم جديد بالنسبة له فرصة سانحة لإعمارها بفعل الخير، وحياة الضنك والألم بالنسبة له هي كل يوم يمر عليه و يرتكب فيه معصية يبوء بها بسخط الله تعالى، ولو كان الخيار بيده لاختار حذف أيام المعصية ولحظاتها وإن قصر عمره، فهمه وغايته ليست الحياة كحياة بما هي وإنما حياة الطاعة والتقرب للرب الجليل.
وهناك من يجول ويصول الشيطان الرجيم في كل لحظات ومفاصل حياتهم، فيصرف عقولهم وقلوبهم نحو طلب النزوات والاستجابة السهلة للإغراءات، فيشبه الإمام السجاد (ع) حياة هؤلاء العصاة الذين لا يرعون أنها مرتع، أي مرعى للشيطان، يفصل فيه خطواته ومكره لتزيين المعاصي وشحن أوقاتهم بها، دون أن ينتبهوا بوقوعهم في فخاخ سرقة الأوقات وتحولها إلى خسائر فادحة تحيق بهم دوائرها السيئة، فيصرفهم عن الطاعة ويفرغ قلوبهم من التوجه إلى الله تعالى ويحيل بينهم وبين استحضار المضامين العالية للعبادات، وما يجنون منها من غايات تحصيل ملكة التقوى وتحسين الأخلاق والتعامل مع الناس.
وهناك من يعيش الخسارة باستنزاف الشيطان الرجيم لوجوده فلا يجني إلا المعاصي والآثام، والتي حقيقتها الويل والثبور في الدنيا بسلب التوفيق الإلهي وفي الدار الآخرة بالجزاء عليها بالعذاب الأليم، فإذا كانت هذه حقيقة وجود العاصي وكونه خاضعًا لوسوسة الشيطان، ولسان حال العاقل البصير: يا ليت الروح تقبض والعمر يقصر ولا يحيق بي المقت والغضب الإلهي، فلا خير ولا بركة في عمر يتصدر مشهده غلبة الشيطان ومعصية الرحمن، وإنه لمخجل أن نقابل نعم الله عز وجل التي لا تحصى بالجحود والإساءة بارتكاب الذنوب، أليس من المخجل أن نتشاغل بكل شيء وقت الأذان فتأخير الصلاة أو أداؤها أداء المتثاقل المتكاسل مورد توقف وتأمل، ونستعد للذهاب إلى الدراسة أو العمل فننام مبكرًا ونتخذ كل الوسائل المنبهة للاستيقاظ، بينما صلاة الفجر لا تأخذ منا ذاك الاهتمام؟!
وكتاب الله تعالى وهجرانه وما أدراك ما الهجران، نبخل بجزء بسيط من أوقاتنا لقضاء رحلة إيمانية ومعرفية بتلاوة الآيات الكريمة وتدبر معانيها، بينما نهدر أوقاتنا ونضيعها بما لا فائدة منه دون استشعار الخسارة، إنه بالتأكيد مرتع للشيطان علينا التخلص منه، وخصوصًا في شهر القرآن والطاعة والمغفرة.
والصوم الذي افترضه سبحانه علينا لنجني الغاية الأهم وهي ملكة التقوى وتجنب المحرمات، حولناها إلى مجرد إمساك عن الطعام والشراب مع إطلاق العنان للجوارح، فالعين لا تغض عن النظرة الحرام بل تسترسل وتديم النظر، ولا اللسان يتوقف ويرتدع عن الغيبة واستنقاص الآخرين والخوض في الباطل، أو ليس الشيطان اتخذ مرتعه في أعمارنا وأحلنا شهر التوبة والرجوع إلى الله تعالى، إلى ميدان نستمر فيه على المعاصي والآثام دون محاسبة أو رقابة.
والشيطان له مرتع خصيب في نظرتنا وشغفنا بالمال وقبض اليد عن الإنفاق، فلما نتخلص من شح أنفسنا وصرنا عبيدًا للمال نجمعه ونكنزه ثم نرحل عنه!
ونختم بالتعريج على علاقاتنا الأسرية والاجتماعية فنرى الشيطان يرتع في خلافاتنا وخصوماتنا، ولا نتوقف عند حد التسامح والاعتذار بل نمتلك استعدادًا لمصاحبة أحقادنا إلى اللحود والمقابر، فنقابل رب العباد بقلب مريض بالكراهيات!!



