يقبل الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك وتقبل معه كل مظاهر النقاء والطهارة، وتظلل الناس فيه غمامات الرحمة والغفران، ويتسابق المؤمنون نحو بيوت الله ومجالس التلاوة، ويلتفون حول منابر النور في إقبال لا تشهده سائر الشهور على أبد الأيام والدهور.
هذه المظاهر الجميلة لا يعكر صفوها سوى مظاهر سلبية مقابلة تجعل المرء في حيرة من أمره، فيتساءل: كيف يختلط النقيضان في هذه المناسبة القدسية؟ والتي هي الفرصة المثلى الواجب انتهازها من قبلنا لكي نتعلم منها العمل المندوب واجباً ومستحباً، وهي الأيام التي نجلس فيها بين يدي الله وفي شهره المبارك، نحفظ من نواميسه وقواميسه ما يجب علينا الاقتداء به في سائر الأيام والشهور والسنين، وليس فقط في هذا الشهر العظيم.
إن عظمة هذا الشهر تتجلى في تفرده المميز بحيث إنه يلزم المؤمن بواجباته، والابتعاد عن كل ما يفسد الصوم، فحريٌ بنا أن نتخذ منه الطريقة التي تأخذنا إلى حيث النقاء والابتعاد عن كل ما يفسد أيامنا وشهورنا بل وأعمارنا كلها، وليست لشهر واحد، فما هي المشكلة لو صمنا عن قول الزور والنميمة والغيبة والكذب؟ ما المانع من أن نتصالح ونتصافح دوماً كما نفعل في ليلة القدر؟ ما المانع أن نعتصم عن فعل السيئة خوف إحباط الحسنة؟ وما الذي يمنعنا من صلة المودة أرحاماً ومعارف وأصدقاء، ولماذ لا يكون القرآن حاضراً في كل شهور السنة كما يحضر في شهر رمضان؟
إننا هنا ورغم ما يحفل به الشهر الكريم من موائد ربانية نحاول أن نستعرض بعض المظاهر والمنغصات التي لا تليق بالشهر ولا بالمؤمن حين يفعلها سواء عمداً أم غفلة، وهي تجرح بلا شك ما يأمل أن يكون خالصاً لله وحده دون شائبة أو نقص أو عيب.
ونبدأ بأولى هذه المظاهر والتي تبدأ قبل هلال الشهر حيث نشاهد بحيرة ذلك الهجوم المفرط على شراء المواد الغذائية، والذي يشعرك أن هناك حرباً طاحنة سوف تأكل الأخضر واليابس ولن تذر شيئاً إلا أتت عليه، أو أن الوضع الاقتصادي في البلد سوف ينحدر لدرجة الفقر والعازة، أو أن هناك سنين عجاف مقبلة كسنين يوسف تستلزم أن نحفظ الطعام خشية الموت جوعاً وعطشاً، والحال يقول أصلاً إن هذا الشهر هو شهر الاقتصاد والتوفير، وهي أيام الحمية وتخفيف الأوزان كما هو تخفيف الأوزار.
والمصيبة أننا نرى هذه الأطعمة كل ليل ونهار مرمية حول براميل القمامة أشكالاً وألوانا في حالٍ يخجلنا مع صاحب النعمة (سبحانه)، والمتفضل علينا بها، وهو ما ينذر بسوء منقلب لا سمح الله نحرم فيه من هذا الخير لإسرافنا على أنفسنا، في وقت هو من أفضل الأوقات التي يحب فيها محاسبة النفس، وليس تركها تعبث عبثاً هو من محبطات الأعمال بلا شك ولا ريب..
إننا نخشى أن تكون هذه الممارسة هي من أسباب ما نشكوا منه من عدم استجابة الدعاء أو حرمان التوفيق، أو ما يصيبنا من حوادث الحياة المؤسفة على اختلافها، ولا أقل من أن يرد علينا صيامنا بعدم القبول بدلًا من أن يكون الصيام خالصاً لله تعالى، وهو الذي يجزي به إحساناً وليس عقوبة وحرمانًا..
نلتقي..



