الشهر الكريم صناعة للإنسان في فكره الواعي ولقلبه السليم جنة من الكراهيات ولخلقه وتعامله مع الناس صبغة الحسن والطيب، فجني ثماره ونيل جوائزه لا يكون بالتوقف عن الطعام والشراب مع بقاء نقطة سوداء في قلبه، فيمارس العدوان والقطيعة والتجاهل لمن اختلف معه في موقف، وإنما هو تطهير للنفس من أسر الشهوات و الأهواء وتنقية علاقاته من الخصومات.
الشهر الكريم فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات والتأمل في خطواته وأحواله وخصوصًا علاقته بالله عز وجل وبرنامجه العبادي وعلاقاته بالآخرين، فإصلاح النفس أمام فرصة ثمينة لتصحيح أخطائه وكذلك الرجوع عن أي حالة خصام على مستوى محيطه الأسري والاجتماعي، فتلك الحالات من المشاحنات والخلافات من غير المقبول أخلاقيًا ونفسيًا أن تبقى حسابًا مفتوحًا لا أمد له، تنبت في القلوب بذور الظنون السيئة والكراهيات والأحقاد، ولن يجد المتخاصمون فرصة تهدأ فيها النفوس وتغلق أبواب الخلافات كشهر الله تعالى، إذ تسمو النفس و تصفو من التعلق بالشهوات من جهة، وتطهر وتصفى من كل المشاعر السلبية والإحن تجاه الآخرين من جهة أخرى، فالخصومات مرتع الشيطان ونقطة استنزاف إيماني يثقل ميزانه بالسيئات.
القلب السليم شرط لقاء الله تعالى للمفلحين في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا كل عمل عبادي هو لقاء واختبار لمدى علاقتنا بالله عز وجل، ولا تحط الرحمة و المغفرة الإلهية في وعاء يمتلئ بالحقد والحسد، ومن أجل الوصول إلى الأهلية والقابلية للاستفادة وتحصيل الثمرات وفضائل الشهر الكريم لابد من تصفية كل تلك الشوائب المظلمة للقلب، فالأحقاد والكراهيات ناجمة من خلافات وقطيعة استجاب فيها المرء لصوت الشيطان وأهواء الانتصار الوهمي، وحان الوقت لتطهير نفسه وعقد المصالحات وتبني استراتيجية التسامح مع من أساء له وتقديم الاعتذار لمن أخطأ في حقه، فالصفح عن الناس من أقصر الطرق إلى عفو الله تعالى وتجاوزه عن معاصي العباد.
وليتأمل في ضعف إيمانه بحكمة وعدل الله تعالى من ابتلي بحسد الناس فيما آتاهم سبحانه من رزقه، فاشتعل قلبه همًا وغلًا وأخذ بعقد المقارنات بمن حوله ولسان حاله كمن يشكو ربه، وها هو أمام فرصة الشهر الكريم لينطلق بهمة عالية في تقوية علاقته بربه فيجني من المناجاة والأجواء الروحية العبادية فهما لحقيقة الرزق وتفاوته فيسلم ويقتنع بما قسمه سبحانه له.
ومن أبواب محاسبة النفس وتطهيرها من الآفات هو التخلص من الأنانية والتبلد الوجداني تجاه حاجات وآلام الآخرين، فلا يمكن للشخص الأناني أن ينعم بقلب سليم وعلاقات ناجحة وهو يحيا المنفعية والانتهازية، أفلا يرى في سيرة الأنبياء والأئمة الطاهرين (ع)، والتي تشرق سيرتهم بالعطاء وقضاء حوائج الناس وجهًا يقتدي به؟!
الشقاء يبقى متلبسًا بمن انقضى عنه الشهر الكريم ولما يغتسل بماء التوبة ودموع الندم والاستغفار، ولما يطهر نفسه من أغلال الكراهية ومرض القلب بالحقد وتربص السوء و التشفي بأحد، فإنه لم يغتنم الفرصة و أصر على طريق العداوات والقطيعة وعمى القلب، فشهر رمضان شهر المحبة والوئام وتقوية أواصر العلاقات بين الأرحام والجيران والأصدقاء، فما طلب رضوان ربه من بقي في دائرة السوء من اللؤم والفتن والغيبة والنميمة، وكلها أوبئة ناجمة عن سواد القلب ومشاعره المتأججة حقدًا.



