هل تعب الناصحون من توزيع نصائحهم المرسلة في كل وادٍ وزمن، هل بُحّت أصواتهم ورجع الصدى بلا حياء، ولا حياة لم تناد، أي آذان صاغية كانت تقيم لهم جوابًا، ومضارب القوم بضعنهم وضغنهم خبأوا النصح في رماد المكائد، وبنو يعرب قضوا وطرًا من الردح والبذخ وأضعاف ما ملكت أيمانهم، ولم يعيروا للنصح محلًا، وبقيت مناقبهم بجورها وقضها وقضيضها ولهيبها تلسع أصابع متصفحي تراث الأمة، لكن كيف نعجب نحن من خروقاتهم ونزدري حماقاتهم وأفعالهم المخلة ونحن نتواصى نهجًا بحمل راياتهم المرقطة نقشًا بـ(قوم تبع)، ما ضون على منوالهم نتغنى بحكايات التقصي والإقصاء والإخصاء ونفخر بمن اقتلع عيني زرقاء اليمامة، بسم الذود عن حياض القبيلة، ولم نأبه بنشيد عازف الربابة (أحشفا وسوء كيله).
نكيلهم ونستوفي أوزارهم فلا غرابة، نحن من نسلهم، والعرق دساس، نبضهم يسري في دمانا كعربون وفاء.
أصحيح هم أكلوا الحصرم ونحن نضرسه؟ من قال
نحن الذين علكناه شر علكة، وبلعناه دون مضغ؟ ظننا أن النشامى أسرجوا الخيل بلجام التقى والورع، وبشرونا بالفتوحات السامية التي لا يشق لها غبار، برزوا للوغى موعودين بالحور العين والظفر بالغنائم والتمتع بالقوارير، هن الجوائز المرصودة لكل مقاتل، لا يهم إن كانوا منصورين بظلم أو مولين الأدبار عن حق، طالما الزحف مقدس، باركه وعاظ السلاطين، وأسرّوا النجوى بالأدعية المنتخبة، سار الجند لذلك المبتغى رافعين البيرق "لا غالب إلا الله". ربما الوصف مطية الخذلان، تراث بإنائه ينضح ويفضح ويصرخ في وجوه الفاغرين أفواههم.
يا أيها الناصحون ويحكم كيف تحكمون؟! أما تعلمون أن النفس أمّارة بالسوء، وزين للناس حب الشهوات... ومن الذي ينهى النفس عن الهوى؟ وغريزتي الامتلاك وحب الذات طاغيتان على كل سلوك ومبدأ، قيل: "لا يملأ عين الإنسان سوى التراب". ولو يبعث حيًا للدنيا لأعاد ما اقترفت يداه مرات ومرات!
فيا نصح من يسمعك؟
ورفقًا بنا أيتها النصائح فكل ابن آدام خطّاء.
لأن الإنسان من طبعيته وتركيبته السلوكية ونفسيتة متأرجح بين العقل والقلب وصراع الرغبات والأهواء والإغواء، وتجاذبات الأنا وتقلبات الأحاسيس والمشاعر، الإنسان جملة من المتناقضات، كتلة من المفارقات، هكذا هي طبيعة الجنس البشري في كل زمان ومكان، وما الأعمال الدرامية، منذ فجر مسرح الإغريق والرومان مرورًا بتراثيات الأمم ووصولًا للعصر الحديث والراهن من تليفزيون وسينما ومسرح، سواء عالميًا أو محليًا، ما هي إلا انعكاس لتصرفات بني الإنسان المتباينة والمتضاربة، وكم أبلغتنا قصص الشعوب عن السلوكيات المتناقضة جملة وتفصيلًا، وكذا تراث الشعر العربي يضج بمظاهر التفاخر بعزة الأنا الجمعي، والحط من القبائل الأخرى، معلقة عمرو بن كلثوم:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا
ويشرب غيرنا كدرا وطينا
صورة واضحة المعنى، أياليت الأمر قد توقف عند عقلية زمن الجاهلية وكفى، لكنه سار هذا المفهوم قرونًا والأنكى أنه انسحب إلى زماننا وأخذناه فسحة للتنذر على واقعنا، بهجاء تقلدناه واجتررناه في عصرنا الحالي، وإلى أبعد من ذلك نتغنى بالعرق واللون والطائفة والمذهب والقبيلة والمنطقة؛ تفاخرات تلعب لعبتها في النفوس إقصاءً للغير، ليس عند الدهماء، بل عند الصفوة، نمقت الشيء ونأتي بمثله، ونتبجح؛ "لا تنه عن خلق وتأتي بمثله" لا نشعر بالعار تجاه تناقضاتنا، ندّعي الكرم ونأتي بعكسه، ندّعي شيئًا من لا شيء، وهلم جرا، لكننا حاضرون نصدر النصح في كل حين وكأنه بضاعة فائضة عن حاجتنا؟!



