13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قراءة في قصيدة: سلالة أنجبها الوقت

لمحة في عنوان القصيدة

"سلالة أنجبها الوقت" عنوان اختاره الشاعر حسين آل عمار لقصيدته، وهو يتركب من جملة اسمية تتكون من مبتدأ وخبر (جملة فعلية)، ونحن سنحاول فك بعض ألغاز العنوان مما سيساعدنا على قراءة النص وفهمه بشكل أفضل؛ لكون العنوان يمثل العتبة الأولى التي نلج منها إلى ما بعدها.

"سلالة" نكرة وقعت مبتدأ، وتصدرت العنوان، حيث تشير إلى النوع؛ لأن السلالة لا تكون إلا ضمن طائفة من الطوائف، فسلالة الإنسان تبدأ من آدم وتستمر في التغير والتنوع عبر الامتزاج بين الأعراق، وهكذا بقية الكائنات الحية، فلفظ السلالة مأخوذ من عالم الكائنات الحية، وتم إلباسه لباس المجازية ليصل الشاعر من خلاله إلى الهدف الذي أراده وهو اللغة.

"أنجبها الوقت" جملة فعلية تتكون من فعل وفاعل ومفعول به تصف حال السلالة في زمان من الأزمنة، ربما يكون غير معلوم إلا إذا أراد الشاعر إخبارنا به في ثنايا القصيدة، وهذا الوصف يشير إلى التنوع والتغير الذي يصيب السلالات الحية وأنها قابلة للتبدل والتطور بمرور الزمان وكذلك اللغة يصيبها نفس التطور.

إن البدء بلفظ سلالة وجعلها نكرة يدل على أمر في غاية الأهمية؛ وهو محاولة الشاعر إخفاء قصده عبر العنوان، ليثير شهية المتلقي ويظل يستمع إلى النهاية، فإذا كان الحديث عن اللغة وهو المرتكز الذي سيأخذنا داخل القصيدة فالسلالة لا تنبئنا بشيء؛ لأنها مجلوبة من قاموس العلوم الطبيعية إلى قاموس الشعرية، كذلك يضاف لها التنكير الذي رافقها، والذي قد يشير إلى أي شيء، فالتنكير للعموم.

قراءة القصيدة
ليس من السهل إمساك اللغة، خصوصًا إذا كان هناك من يتلاعب بالكلمات، ويجعل اللفظ لا ينطبق على حقيقته الدلالية، وهو ما يمكن أن يقود إلى انفجار الطاقات الإيحائية داخل النص، وهكذا كانت قصيدة الشاعر حسين آل عمار "سلالة أنجبها الوقت"، فالبحث عن الدلالة أمر مربك وممتع في آن، مربك بسبب تشعب الإشارات وتنوع الصور، وممتع بسبب حالة الكشف التي تصاحب كل بيت من أبياتها، فكأنها مثل الوردة كلما نزعت منها بتلة من البتلات انتثرت الرائحة العبقة وطغت على المكان، إلى أن تصل إلى آخر بتلاتها فتكتشف أن الرائحة العطرية قد تلبستك أيضًا.

تكوين القصيدة وتركيبها يعتمد على الأبيات المتصلة المتتابعة التي تحاول رسم صورة كلية عبر استعمال صور جزئية تحمل في داخلها المعنى، فالدلالة لا تنبني إلا عبورًا في مراحل، وعليك اجتياز المراحل لبلوغ الغاية النهائية أو الدلالة الأخيرة؛ حيث ينكشف أمامك كل شيء، ولكن ما أصعب الولوج إلى داخل النص بدون التسلح بثقافة عالية؛ لأنه سيدفعك حتمًا إلى الخارج، فالتناص مع شوبان وأوسكا وميركوري يحتاج إلى فهم عميق لما يدور داخلها من تجاذبات.

هي صور قصيرة متتابعة تنبني رويدًا رويدًا حتى تصل إلى نهاية القصيدة، ومع الختام يبرز المعنى النهائي في ذهن المتلقي، ونحن هنا سنحاول إعادة تركيب الصور وضمها بعضها إلى بعض من أجل بلوغ المعنى الأخير الذي قصده الشاعر، ومحاولتنا لا تستهدف إفراد الأبيات وقراءتها قراءة منقطعة عن سابقاتها أو تالياتها، بل سنجمل القول فيها.

يبدأ الشاعر آل عمار حديثه بتوجيه الخطاب ناحية المجهول "لا تختبر"، وهذا المجهول سيسير من بداية القصيدة حتى نهايتها ولن يتم التصريح به؛ لكونه يمثل العصب الذي انبنت عليه الدلالة، وكشفه أمام المتلقي سيعني عدم الحاجة إلى إكمال القصيدة، والسبب من وجهة نظري أن المجهول المقصود لا يمثل نفسه فحسب، بل يمثل رمزًا إنسانيًا عامًا، والمقصود به إنسان العصر الراهن.

مع الخطاب للمجهول تأتي حالة من حالات السكر والتشبع بالخمرة، فالإشارة إلى الكروم هي إشارة إلى عدم الثبات والاستقرار، وقد أردفها بالمجاز كي تكون الدلالة الثالثة التي يفتتح بها، والمجاز هنا يشير إلى الوهم الحاصل بعد نشوة الخمرة وتأثيراتها.

ثلاث دلالات احتواها البيت الأول هي على التوالي: الخطاب الموجه إلى المجهول؛ والمقصود به إنسان الزمن الراهن، وأن هذا الإنسان يعيش حالة من السكر وفقدان العقل، وهو ما يجعله يتوهم الأمور ولا يدرك الحقائق تمام الإدراك، بل يبني له عالمًا مجازيًا من خيالاته، وهذه الدلالات الثلاث هي ما يسير بالقصيدة حتى نهايتها.

في الأبيات الموالية يأخذنا آل عمار ناحية المخاطب المجهول ويقيم حوارية معه، حيث نلحظ طغيان الضمير الذي يشير إليه (وإذا انتبهت لمارق في الضوء – أخبره أن ... الماء ... من أصلابه – هو أنت من عقّ المسافة)، إلى أن يصل ناحية الجزء الثاني من حواريته وفيها يخرج من إطار المجاز إلى إطار الحقيقة "فتشت عن وطن يوزع ما به"، حيث الاصطدام بالواقع المر على هذه الأرض، فالإنسان المعاصر ليس له من وطنه إلا الانتماء الشكلي فلا رابط فعلي بينهما، وها هو ينتظر دوره كي يفر إلى البعيد والقصي محققًا ذاته الضائعة.

ألفاظ الألم تغرق القصيدة وإن كانت بصورة أقرب إلى الإخفاء؛ حيث اللعبة التي يمارسها الشاعر منذ البداية وهو يخبرنا أن الحقيقة والمجاز لا يمكن التفريق بينهما، ولكنه عبر إصراره على فتح الجراح يؤكد ما نذهب إليه بالاستنتاج؛ من أن القصيدة تحاكي هموم إنسان العصر الراهن وإن كانت تلبس ثوبًا من الرمزية وعدم البوح المباشر، فهذه "وتوضأت بك موجة منسية في البحر" تحاكي هروب الإنسان من واقعه ناحية الحياة الجديدة التي يحلم بها، وفي بيته الموالي "حتى اختبأت" يشير إلى حالة الخوف من الانكشاف وفقدان الأمل بالهروب.

بعد الهموم والأوهام وأوجاع الليل والنهار والدموع والبكاء، ينتقل بنا آل عمار إلى مرحلة جديدة أو فصل من فصول الصورة المرسومة؛ حيث فيها الحلم بمستقبل مشرق لا وجود للسوداوية والعدمية فيه، مع تأكيده على مواصلة الإنسان للمسير الذي بدأه، وأن نهايته جميلة في جميع الحالات.

حشد الأسماء وتتابعها في نهاية القصيدة؛ يهدف إلى تأكيد إمكانية التغيير والتبدل، فمهما طال الوقت ووجد الإنسان نفسه عاجزًا ستكون هنالك فسحة من أمل ونافذة يطل منها على غد مختلف، وهذا ما نجده من ورود "ميركوري – شوبان – أوسكا" وهازم "الروم – التتار"، إلى أن يصل بنا ناحية الختام، حيث يقول:

سالت على الكراس آخر شهقة
كانت تواري الدمع عن أكوابهِ
...
فالوقت منعدم السلالة إنما
ظهر المكان يغص من إنجابه

وفيهما يأخذنا أولًا ناحية اللغة، فالكراس يستدعي الكتابة والتدوين وهما من الأمور الملازمة للغة التي تتشكل منها الهوية، فهو يطرح المسألة في خفاء حول إنسان العصر الراهن، ويحاكم انتماءه ويرى أن الأرض وإن كانت تحتل مكانة هامة لديه إلا أن الأولوية للغة؛ فهي التي تشكل هويته، والأرض قابلة للتغير طالما لم يجد فيها ما يساعده على تحقيق أمنياته، وهو ما يقاربه البيت الأخير، حينما يعمد إلى التأكيد على أن السلالة لا تحتل الأرض بل تحتل اللغة؛ لأن المكان يغص بالأبناء الذين لا فائدة من وجودهم فيها، ويحتاجون إلى مكان مختلف يتنفسون فيه هواءً مغايرًا للسائد.


error: المحتوي محمي