ويقبل الشهر الفضيل، وكأنه ما غاب، وما أسرع الإياب، يقبل بثوب البهاء وبنوره الوضاء، يقبل وروائحه الزكية تفوح علينا من بعيد طهرًا وبركات، وقد بدأ المؤمنون بالصيام قبله بشهرين عند معظم من يتاجرون مع الله عز وجل حتى إذا ما أقبل أكملوا به عدة الصيام لثلاثة أشهر مختومة بصيامه وقيامه في لياليه وأيامه، أشهر مليئة بالعطايا والهدايا من رب البرية سبحانه وتعالى، فليس كأشهر رجب وشعبان وشهر رمضان المبارك شهور أخرى مماثلة في الامتياز من حيث الفضائل والقربات، ولكل شهر خصوصيته وامتيازه وفضله.
ما نتوقف عنده هنا هو ما يكدر الخواطر، ويشجي القلوب، وهو الذي نعانيه في كل عام، وفي كل شهر رمضان، ولا نبرئ أنفسنا عن ذلك، حين يأخذنا الفضاء لما يبثه من مواد مريبة لا تخصص سوى له بالخصوص، بما يخالف قدسيته وخصوصيته للأسف، والتي يكون الاستعداد لها كما كل موسم من نهاية شهر رمضان الفائت، وحتى قبل أن يهل هلاله، حيث تعج القنوات بمختلف المسلسلات، وأنواع البرامج البعيدة كل البعد عن رسالة السماء في هذا الشهر الحرام، وهو شهر الله والذي تكفل عز وجل بجزاء الصائمين القائمين العاملين فيه، فإذا هو يفقد رسالته، ويفرَّغ من معانيه، حين نحيد عن الاتجار مع الله سبحان إلى التجارة مع الشيطان خزاه الله، فيأخذنا الالتهاء بالقنوات الفضائية بين المسلسلات واللهويات وما هنالك من غوايات، حارمين أنفسنا من أقرب القربات إلى الله عز وجل، ليلًا نهارًا، فإذا من في البيوتات يولون وجوههم شطر الشاشات، منهمكين في التنقل بين المسلسلات، حريصين على تتبع دقات الساعات، يعرفون جدول المعروض في القنوات، لا يفوتون مسلسلًا ولا برنامجًا لهويًا دون متابعة، بل ربما سهروا له الليالي، واستيقظوا لغيره النهار، فقط ليشاهدوا ما يشغل حتى أحلامهم في نومهم.
فكيف لنا أن ننال الحصاد ونحن نخلط العمل الصالح بالطالح على غير رشاد، ولا نتجه لله سبحان سوى على عجلة من أمورنا، حتى أننا نتكلف بختم القرآن، فما هي غير ختمة واحدة إن فرغنا أنفسنا، وبشق الأنفس والأنفاس، بل إننا نختزل الشهر كله في ليلة واحدة وهي ليلة القدر، وكأنه تلك الساعة الوحيدة فقط، والتي يتوجه فيها كل الناس، كل الناس نحو الرب، وما أكرمه من رب، حين يقبلنا ونحن نقبل عليه على عجل وعلى ما نحن فيه من موبقات، فما نكاد ننتهي من ركعتي تلك الليلة العظيمة حتى نخرج وكأننا قد غسلنا الذنوب كلها، وهذا ما نرجوه بلا شكٍ من أكرم الكرماء، وأرحم الرحماء، وقد رفعنا أيدينا للسماء بالدعاء وبأن تُستوهبُ ذنوبنا ليمحوها عز وجل وهي لاتزال ممسوسة بسوء ما نرتكب ونجني، والذي سرعان ما نعود إليه مجددين به العهد، وكأن شيئًا لم يكن.
فيا بئس هذه الطقوسية العبادية والتي اتخذناها سلوكًا نمطيًا فارغًا من الروحانية والتوجه، بعيدة عن الانقياد والاستغراق، خاوية من الصدق والإخلاص، فلو كانت خالصة فعلًا لفرغنا أنفسنا من الأساس لهذه العبادة الربانية الرمضانية بما فيها من موائد عظيمة، ولأغلقنا أبواب الشيطان، وسددنا ثغرات الانفلات، وتوجهنا توجهًا خالصًا نحو رب الأرباب، ونهلنا من المناهل السنية التي يبسطها لنا ربنا على اختلاف نعمه، ويحفها بفضائله وعطاياه، فتكون لنا الحصانة عن كل ما لا يرضاه ولا يرضي رسوله وأولياءه عليه وعليهم السلام، فنصبح عندها المثل الذي يُضرب، والقدوة التي تُتخذ، ونخيب ظن الشيطان لعنه الله الذي يتربص بنا في كل آن، وينتظرنا في كل عام بمسلسلاته الكيدية، ونخسر فيه ما يتنزل في ليلة القدر، وغيرها من الليالي العظيمة،
ويا له من خسران..
يا له من خسران



