13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التسامح

التسامح مبدأ إسلامي إنساني اجتماعي، وهو من أعلى مراتب الأخلاق، وأبرز مصاديقه العفو عند المقدرة، وأعلاها الإحسان لمن أساء، وأقلها عدم رد الإساءة بالمثل.

بالتزين بأخلاق عالية عند التعامل نصل إلى الوحدة والتماسك الاجتماعي، وفي الغالب ننزّه أنفسَنا ومَن نرضى عنه مِن الأخطاء والإساءة ونحمّل الآخر ومن نكره المسؤولية دون التأكّد، وهذا على إطلاقه غير صحيح؛ فنحن لنا أخطاء وإن قلت وإساءة ولو كانت نسبية، لكن تأخدنا العزّة فلا نعترف.

مواقف انهزامية خجولة

الشجاعة والأخلاق أن نقول: "هذا خطأ" فنصححه و"هذه إساءة" فنعتذر عنها.. أتعرّض لنقاط في هذا المضمون باختصار:

الأولى:
الأرحام: تكثر المشاحنات بينهم وبالأخص الأقرب، وتتحول إلى عداوة متوارثة بين الأخ وأخيه وأبناء العمومة بين طرف وآخر ومن يقف معه؛ على ميراث بيت قديم لو وُزّع شرعاً ما زاد النصيب على قبر، أو كان قد طلب بنت قريبه لولده ولم يوفّق، أو تزوجها ولم يستقم الحال، أو مناسبة لم يكن أول المدعوين أو لم يحضرها، وخبر لم يسمعه مباشرة، وهكذا...؛ فيتولد موقف عدائي ولو أردتهم للتقارب يكون الرد في الغالب: هذا لا يستحق مَن يسامحه وفيه ما فيه ولن أضع يدي بيده حتى أُقبر.

وإذا مات أخوه ضرب الآخر بعشر أنامله باكياً على فراقه، وقد أذاقه هوانًا.. ما الفائدة؟ اترك البكاء وسامح قبل الرحيل.. ربما سبقتَه وأنت له ظالم، فتركت له من حسناتك، أو حملت من سيئاته، فأين حقوق الرحم؟

الثانية:
الجيران: هم عائلة واحدة وإن كانت أرحامهم شتى، يتبادلون لقمة العيش، ويتحسسون حال البعض، الأبواب مُفتحة بينهم على موقف سيارة، أو اعتداء طفولي، تُخلق عداوة، تنسيهم الجوار وما أوصى به الرحمن وحث عليه الإسلام، ما هذا حق الجوار، التسامح من الطرفين يعيد المياه لمجاريها، الجيران أقرب المعنيين لبعضهم.

الثالثة:
الأصدقاء: نصادق بعضنا عشرات السنين ويأتمن الصديق صديقه على عرضه وماله وسره، والكل يحفظ الأمانة، وبسبب موقف لا يعتبر شيئًا قبال هذه الصداقة والخدمات الجليلة، ينسف ما مضى مع إحياء سلبيات سابقة من هنا وهناك، تتحول إلى قطيعة، أو أزيد.

لماذا؟ أهذا حق الصداقة؟! اتخذ لك مَكبًا لحرق الهفوات والخلافات التي سبقت وحوّلها رمادًا، فكل موقف أضفتَ إليه الماضي وشممت ريحه النتن، لم يدم لك صديق.

الرابعة:
المجتمع: له عليك حقوق، وهو الحلقة الكاملة يجمع الأقارب والأباعد ومختلف الأفكار والأديان والأطياف ومختلف التيارات والمستويات، ما لم يكن تسامحًا مع مَن نختلف وتنازل عن بعض وتوافق مع آخر، لا نأمن ولا نتعايش ونبقى على خوف، ويستعلي بعضُنا على بعض ويستمر الصراع بدل الألفة والمحبة، حرب مشتعلة والغالب فيها أول الخاسرين.

الخامسة:
التعامل التجاري والإنساني والمعنوي والقانوني بين الخلطاء: كن صادقًا دقيقًا في حساباتك متهاونًا في استحقاقاتك من غير ضرر. ومع الأفراد كن محسنًا إذا بعت، وسمحًا إذا اشتريت، ومعطيًا فرص المرور والوقوف في الطريق وإن كنت الأحق، وفي العقود البينية لا نفتش عما يصعّد الخلاف بل عما يسهل حله، وألا نستغل ثقة الآخرين بنا وجهلهم بالقانون ونصيغها فيُفهم من ظاهرها خلاف باطنها، فنوقع بصاحبنا من حيث لا يعلم؛ فهذا تدليس.

السادسة:
الوالدان: من العار علينا جداً أن يقول أحدُنا: "سامحتُ والديّ"، فضلًا عن قول: "غلطا فيّ ولن أسامح"، وكأنه يتعامل مع أبناء الطريق؛ إنه القبح بعينه والعقوق على جبين القائل.. أنحاسب من أُمِرنا ألا نقل لهما أُفٍ بهذا؟!
بل قل: {اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ، وَارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، وَاجْزِهِمَا بِالإِحْسَانِ إِحْسَاناً، وَبِالسَّيِّئَاتِ غُفْرَاناً}...

التسامح خيمة تسع الجميع نعيش تحت ظلها؛ أرحاماً، وأصدقاء، ومجتمعًا وإن فقدناها وحملنا الأحقاد في الصدور...

الكل مسيءٌ ومخطئ إلا (أنا) فانطبق علينا قول الشافعي:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيـب سـوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ويأكل بعضُـنا بعضـاً عيانا


error: المحتوي محمي