لنتحسس أبواب الفقراء المتعففين هذه الأيام، ونستشعر حاجاتهم، ونلبي ما يبوح به صمتهم، وما تفضحه عيونهم.
هناك من المؤمنين الكثير الذين لا ندري عن أحوالهم، فكرامتهم وعفتهم وأصالتهم تمنعهم من السؤال، لأن العار في ذل السؤال كما يقال، سوى السؤال من الله سبحانه، فلنكن من الذين يسخرنا عز وجل لتلبية ما هم ينتظرونه دون أن يسألوا، فنبحث عنهم بين أزقة العوز، وسراديب الحاجة ، هؤلاء هناك يتمنعون أصلًا من أن يعرفهم أحد خشية الحرج وطلبًا للستر ولو على حساب حاجاتهم الملحة.
إننا وعلى أبواب شهر الخير بحاجة لأن نعطي مما نكنز، ونهب مما نسرف، فلقد أعطانا الله عز وجل ما انحرم منه غيرنا، وتقدير الرزق عنده جل ربي وعلا، ولكننا نستطيع أن نتساوى مع الغير بالقليل الذي نعطي سواء هبة أو صدقة أو خلاف ذلك من الذي تستحسنه الشريعة وتتقبله المروءة والعفة والكرامة، ويعود على المرء بالعوض دنيا وآخرة، وكل ذلك من مال الله وخيره وفضله.
فنحن لا نملك ما هو تحت أيدينا، نحن فقط نتصرف فيه بمقدار حاجاتنا، وبالصورة التي يرضاها صاحب الفضل والمنة، والأصل كله له، والباقي له أيضًا ولرسوله ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهو سبحانه من يعوض بأضعاف ما نعطي، ويزيد بمقدار الشكر وأكثر، فلندخل الفرح داخل البيوت، ولنسكن الطمأنينة والرضا وسط القلوب، فنحن لسنا أفضل منهم، بل ربما نحن مبتلون بما فضلنا أكثر مما هم مبلوون.
وإنه لمن الواجب الأخلاقي والاجتماعي والإنساني أن نتشارك النعمة، ونتشاطر اللقمة مع غيرنا من بني الإنسان، ومع القريب والغريب والجار والمعوز والمحتاج، وهو حق معنوي وإنساني نتعاون ونتكاتف فيه دون تمييز على ما نحن مؤتمنون عليه، فلربما انعكست الآية ذات لحظة تقدير، وينقلب الحال، ونكون نحن في نفس المكان الذي لا نتمنى أن نكون فيه، وتحت وطأة ذل السؤال والعوز، ويُتصدق علينا بلقمة تسد الرمق، وتحفظ الكرامة، وتستر على حالنا دنيا وآخرة.



