لم تستسلم فخرية الناصري للحزن الذي امتدت أذرعه بكل قوة لتخنق فيها بوادر الأمل والرغبة بالحياة، بعد أن كانت دنياها مليئة بالسرور الذي أضفاه عليها ابنها الشاب الذي قضى نحبه نتيجة مرض أودى بقلبه فإذا بها تحمل بقايا قلبها وتقف عند هاوية جبل حاملة الكآبة فيلوح خيار العيش ببعض الفؤاد بعد أن انشطر ووري خلف التراب مع ابنها الذي لايزال ينبض في كل خلاياها.
نظرت الناصري بعينيها اللتين امتلأتا بسحابات الألم وإذا بابنها الآخر يحتاج لمن يقدم له العون المادي لإكمال دراسته في العاصمة الرياض، فتساءلت؛ ماذا يمكن أن أصنع؟ لا عمر يسعف ولا قوة متوفرة ولا رغبة بالحياة تدفع! لم تحصل على شهادة أكاديمية تؤهلها لوظيفة مرموقة ولا حرفة امتهنتها منذ الصغر لتكمل بها المسيرة، تأملت كثيراً حتى وجدت في الطبخ المنزلي، الذي عرفت بتميزها فيه بين أسرتها، فرصة جيدة للكسب منه، فبحثت عن طريقة تبيع بها ما تنتجه في مطبخها.
وبعد تفكير جدي قررت أن تجهز عربة للطعام الشعبي فحصلت على تصريح خاص بالعربة على الواجهة البحرية بحي المجيدية بالقطيف، لتعذّر حصولها على التصريح على شاطئ بلدتها سنابس، وساعدها في ذلك أخو زوجها علي منصور الرمضان بالتنسيق وتهيئة العربة وعمل المولّد الكهربائي، وتعبئتها بوقود الديزل كما ساعدها في التعامل مع الزبائن وتقديم الطعام، وكان لزيّه الملفت ذي الألوان الصارخة وأسلوبه الكوميدي دور في جذب المشترين.
وبعد مرور سنة وثلاثة أشهر على افتتاح عربة "طبخ الوالدة للأكلات الشعبية" ارتسمت البسمة على وجه الناصري - أم حسن - لأول مرة بعد أن ضمد المشروع جراحها بما حققه من نجاح.
وتحدثت أم حسن لـ«القطيف اليوم» عن "طبخ الوالدة"، قائلة: "هو أجمل مشروع وأجمل قرار اتخذته، فقد حسّن من نفسيتي، رغم أنني لم أنس ولدي ولكني حملته بقلبي ليعيش نجاحي ويضحك معي".
وتضيف: "هنا أرى الناس ويخبرونني أن "الهريسة" التي أعدها مميزة، ويحبون "المنفورة" و"اللقيمات" وهذا شعور جميل يجعلني أواصل الحياة ويمدني بالمال لأدعم ولدي الآخر في دراسته".
وعن الصعوبات التي واجهتها؛ قالت: "إن العمل مع تقدم العمر وما يكتنفه من ضعف ليس سهلًا، حيث يتوجب عليّ الاستيقاظ فجراً وبدء العمل منذ الخامسة حتى العاشرة ليلاً ليتسنى لي إعداد الأكلات الشعبية ليتم تقديمها وإكمال طبخ بعضها داخل العربة".
من جهته، تحدث "الرمضان" الذي يعمل متطوعاً لمساعدة زوجة أخيه أم حسن، والمتقاعد من شركة أرامكو بعد أن عمل رئيسًا لقسم تقنية المعلومات برأس تنورة، قائلًا: "إن عربة «طبخ الوالدة» التي تتخذ شعار «تذوق من أكلنا أولًا، ونترك لك الخيار لتقيّمنا» منحت الكثير لزوجة أخي وخففت من جرحها بفقد ولدها، وكم يشعر الزبائن بالفخر بها لأنها تدعم ابنها الآخر، ومن هنا رأيت أن مقولة "الناس للناس" تنطبق بالفعل؛ فهم يدعمون الأسر المنتجة ويعلقون بالكلام الطيب، كما بادر الكثير لمد يد المساعدة دون أن نطلب أو أن نلمّح لهم بذلك".




