12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عذرًا للتنزيلات!!

من المسَلّم به أن المستهلك بحاجة ماسة لمعرفة بعض المفاهيم المتعلقة بصفات المادة الغذائية أو خواصها التغذوية أو طبيعتها أو بإعدادها أو استهلاكها، من أجل التوعية والتربية الغذائية.

وتشمل المكونات، والإضافات الغذائية، والبيانات التغذوية، وتعليمات الحفظ والتخزين، وفترة الصلاحية.

تلك المفاهيم نجدها ضمن البيانات الإيضاحية على بطاقة المادة الغذائية سواء كانت مصنعة أو غير مصنعة، ومعدة للاستهلاك الآدمي، وسيكون على المستهلكين أن يعتمدوا على هذه المفاهيم عند اختيارهم الغذاء الجيد ذي الجودة والسلامة العالية، للحفاظ على صحتهم ومالهم.

عندما نؤكد على دور المستهلك وحقه في التعرف على بعض المفاهيم الغذائية، لكونه في نهاية مطاف "المنتج الغذائي" هو الذي يشتريه وهو الذي يأكله.

من ضمن تلك المفاهيم، والتي تعتبر أحد التحديات التي تواجه المستهلك مفهوم فترة الصلاحية، ماذا تعني؟

فترة الصلاحية: هي فترة زمنية يحتفظ فيها المنتج بصفاته الأساسية ويظل حتى نهايتها مستساغًا ومقبولًا وصالحًا للاستهلاك الآدمي، وذلك تحت الظروف المحددة للتعبئة والنقل والتخزين.

يفترض أن الأغذية المصنعة تحتفظ بخواصها الطبيعية خلال فترة صلاحيتها.

بناءً على ذلك لابد أن نضع نقاطًا هامة قبل تثبيت صلاحية المنتج، ومن هذه النقاط ما يلي:

• منع التلف الميكروبي.
• التقليل من الفواقد في العناصر الغذائية.
• التكيف مع الانحرافات في المواد الخام والظروف التصنيعية التجارية.
• تحمل المنتج للضغوط أثناء التداول والنقل والتوزيع.
• الاستجابة للتشريعات والقوانين الحكومية.

لسنا نشك في أن تركيب المواد الغذائية ومزجها وبما يضاف إليها من مواد كيميائية يجعل المادة الغذائية المصنعة عرضة للتلف والفساد، والتغير في الخواص الطبيعية المألوفة والحسية، ومن هنا لزم إجراء اختبارات حسية دقيقة لتحديد فترة صلاحية المنتج، وهي الفترة التقديرية التي قد يفقد المنتج بعدها في ظروف التخزين المحددة، بعض صفات جودة وسلامة المنتج، وألا يسوق المنتج أو يعرض بعد هذا التاريخ.

كما أن التقييم المستمر في جميع مراحل البحث والتطوير في الصناعات الغذائية، بدءًا من مرحلة التخطيط وتوليد المفاهيم والأفكار الجديدة، وترجمة المفاهيم المختارة إلى نماذج أولية على مستوى المصنع التجاري، وحتى تتطابق العينات في جميع الخواص الوظيفية والحسية، وعندئذ يشرع في اختبار فترة الصلاحية باستخدام الاختبارات السريعة.

تتأثر الأغذية بعدة تفاعلات داخل الجسم وخارجه، تساعد طبيعة المادة الغذائية وحالتها على تسريع أو إبطاء تلك التفاعلات، كما أن عاملي الرطوبة والحرارة يشجعان الإنزيمات على تحليل المواد الفعالة وتكسيرها، مما يؤدي إلى تلفها وعدم الاستفادة منها.

إن لكل منتج غذائي فترة زمنية يبقى خلالها محافظًا على خواصه الطبيعية، ويصبح بعدها غير مقبول للمستهلك لما يعتريه من تغير في خصائصه الحسية أو الكيميائية أو قيمته الغذائية أو خصائصه الوظيفية، وتجعله غير صالح للاستهلاك الآدمي، وتتوقف قابلية الغذاء للتغير على عدة عوامل متداخلة منها:

• طبيعة المنتج - محتواه من الرطوبة - مكوناته الأخرى كالبروتينات والدهون والفيتامينات.
• طريقة التعبئة ونوعية العبوات.
• ظروف التخزين والنقل والتداول.

من هذا المنطلق، فإن اللوائح الفنية لفترات صلاحية المنتجات الغذائية (GSO 150/ 2013)، والتي تستند إلى المراجع العلمية والأبحاث والدراسات المتخصصة تأخذ في الاعتبار تلك العوامل، وكذلك الظروف المناخية السائدة.

وغالبًا ما تحدد فترة الصلاحية بناءً على تقديرات من قبل مصانع التغذية دون مبالغة وتلتزم بها، وأن يدون على المنتج الغذائي تعليمات الحفظ والتخزين.

ليس بالضرورة وتحت الظروف الطبيعية أن يحدد تاريخ صلاحية منتج غذائي عدم صلاحيته للاستهلاك الآدمي، ولكن بعد هذه الفترة فإن القيمة الغذائية المتوافرة بهذا المنتج ستبدأ بالتناقص والانخفاض.

هل المادة الغذائية صالحة وبحالة ممتازة خلال فترة صلاحيتها وبعدها بيوم تصبح فاسدة؟

هل يعقل أن الفساد يهجم على المنتج الغذائي دفعة واحدة ويصبح سامًا، أم أن الفساد بدأ يستشري رويدًا رويدًا ونحن ما زلنا نستخدمه ولكنه فساد غير مميت، وبعد فترة زمنية يصبح فسادًا مميتًا؟

فأهمية وجود تاريخ انتهاء صلاحية على عبوات المواد الغذائية مؤشر على جودة المنتج وسلامته، فالمستهلك يهمه ضمان القيمة الغذائية، والجودة، وسهولة تحضيره، وسلامة التعبئة والتغليف، وطول الفترة المتبقية لانتهاء الصلاحية، فالمعلومات المدونة على بطاقة المنتج الغذائي تساعد المستهلك على اتخاذ القرارات المستنيرة بشأن شراء المنتج واستخدامه.

من هنا وبهذه المقدمة نحاول طرح حيثيات ظاهرة عابثة نراها في أسواقنا، نضعها ضمن أساليب التلاعب والتضليل والغش والعبث من أجل الكسب المادي دون مراعاة صحة وسلامة المستهلك.

فمخاطر تسويق سلع غذائية شارفت على انتهاء فترة صلاحيتها وتحت إغراء التخفيضات أمر غير مقبول صحيًا، ونحن على مشارف قدوم رمضان المبارك، نرى الكثير من الناس يتزاحمون على شراء السلع الرمضانية بأسعار زهيدة وعروض كبيرة، وكميات هائلة، قد يكون مرده إلى تلك العادات الاستهلاكية الخاطئة.

يحسب على الجهات الرقابية المعنية السماح بعرض تلك السلع المعرضة للفساد لقرب انتهاء صلاحيتها، وهي المسؤولة عن حماية المستهلك من جشع واللامبالاة من أصحاب مراكز التسوق، همهم التخلص أو تصريف الكميات المكدسة في مستودعاتهم وتقليل التالف منها.

ربما يقال إن السلعة المخفضة ما زالت فترة صلاحيتها سارية المفعول ولا تشكل خطرًا، نعم في حالة معرفتنا بظروف التخزين والنقل والتداول، والواقع نحن نجهل ذلك!! لأن في حال عدم التقيد بتلك الظروف والاشتراطات الخاصة بمخازن حفظ المواد الغذائية فإن فترة الصلاحية لا معنى لها!

فالأجواء الحارة والرطوبة السائدة في منطقتنا تؤثر على المادة الغذائية وتسَرّع فسادها، وخصوصًا تلك الأغذية التي تباع في الأسواق الشعبية وتحت وهج الشمس الحارق، فالأعفان تتكون على الحبوب والمكسرات وتنتج سمومًا فطرية "افلاتوكسين" المسرطنة، والأطعمة الدهنية معرضة للتغير في خواصها الطبيعية بسبب الأكسدة "متزرنخة"، والأغذية المعلبة ملوثة بسموم بكتيرية "كلوستريديوم بوتولينوم"، والمياه المعبأة في عبوات بلاستيكية معرضة لتكون ملوثات كيميائية، هكذا تصبح تلك الأغذية ضارة بالصحة، ويصبح تاريخ الانتهاء ليس دليلًا على صلاحية المنتج.

فكيف لنا أن نقبل على شراء سلع شارفت على انتهاء صلاحيتها، ونحن نرى إمكانية فسادها قبل تلك الفترة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى الكثير من الناس يتبعون إغراءات التخفيضات وهم قد لا يحسنون حفظ المادة الغذائية في ظروف صحية لفترة صلاحيتها المتبقية، كما أن شراءنا لها وبكميات كبيرة، أكثر من حاجاتنا، استغلالًا للسعر المغري، يضعنا في أمر محير، إما أن نسّرع في استهلاكها بخلاف رغباتنا وضد نظامنا الغذائي، وهذا أمر غير طبيعي صحيًا، أو القيام بإتلافها وفيه آثار من الناحيتين، شرعية ومادية.

تكثر حملات الدعاية والإعلانات والبوسترات والنشرات الدورية لأصناف مخفضة، وتتفنن مراكز التسوق بعرضها بطرق وأساليب مشجعة وإغراءات لا تقاوم، كأن تعرض السلعة بأقل سعر ممكن، اشتر واحدة والأخرى مجانًا، تخفيض وهدية، نصف السعر، ثم نفاجأ بهذه السلع المختارة قد شارفت أو بقي على صلاحيتها فترة قصيرة.
المؤلم في هذا أن أصحاب هذه المراكز لا يحلو لهم عرض سلعهم المخفضة إلا عندما تشارف على انتهاء صلاحيتها.

تلك هي سياسة أصحاب المحلات التجارية، فعذرًا للتنزيلات!!

بعد هذه التجاوزات التي تعد خطأً قد يتعرض المستهلك إلى أخطار صحية كبيرة وهو في غنى عنها.

نقدم هذه التوصيات حسب رؤيتنا وشعارنا هو "المستهلك فوق كل اعتبار" لحمايته من الاعتبارات الصحية والنفسية والمادية وبراثن ثقافة السوق وشراستها!

• الحرص على شراء احتياجاتك فقط دون زيادة.
• عملية استغلالنا للتخفيضات المغرية قد تكون خاطئة.
• التأكد من تاريخ صلاحية المنتج قبل الشراء.
• حفظ الأطعمة في أماكن تتناسب مع طبيعة مكوناتها.
• الأغذية التي لا يمكن للمستهلك الاستدلال على فترة صلاحيتها كأن تباع بالوزن ينصح بشرائها من مصادرها الموثوقة والمتخصصة.
• إبلاغ الجهات الرقابية بأية تجاوز يطال السلع الغذائية كعرض بعضها في أماكن غير ملائمة لطبيعة تخزينها.
• القيام بجولات تفتيشية للتأكد من صلاحية السلع الغذائية وخواصها الطبيعية ومطابقتها للمواصفات.

وأخيرًا، فإن ما يحز في النفس ويؤلمها إغفال كثير من الناس النظر لبطاقة المنتج والتأكد من البيانات الإيضاحية وفترة الصلاحية قبل وضع حاجاتهم في عربة التسوق.

وعليَّ أن أتوجه للجهات المسؤولة ليدرسوا القضية، وينال عنايتهم، ويصدروا في شأنها أمرًا يضع حدًا لما نحن فيه من حيص وبيص، أرجو ذلك!!

منصور الصلبوخ
أخصائي تغذية وملوثات


error: المحتوي محمي