في عام 1199م، طعن سهم ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد في كتفه اليسرى، الإصابة هذه الأيام تعتبر بسيطة وسهلة العلاج، ذلك نظراً للتقدم العلمي وتطور الطب، لكن في ذلك الوقت كان هذا الجرح خطيرًا جداً، إذ لم تكن أدوات التعقيم قد اكتشفت بعد، ولم تكن الأحياء الدقيقة معروفة فضلاً عن علاجها، لذلك لم يكن أمامهم غير بتر الأعضاء، ولأن إصابة ريتشارد قلب الأسد كانت في الكتف فلم يكن خيار البتر ممكناً، فانتقل الوباء من الكتف إلى باقي الجسم حتى قضى عليه بعد أسبوعين من المعاناة.
في الحروب القديمة كان الأطباء يستعينون بالنجارين والحدادين لبتر الأعضاء، وكان المشهد مألوفاً في صبيحة اليوم التالي أن ترى "كومة" من الأطراف المبتورة.
أما في عالم اليوم وبسبب تقدم العلم وازدهار الأبحاث في مجالات عديدة، فإن الإصابة التي قتلت ملك إنجلترا الذي لا يقهر، لم تكن غير جرح لا يمثل درجة عالية من الخطورة، إذ القليل من العناية في تعقيم الجرح والعلاج بالمضاد الحيوي كانت ستحميه من التعفن والانتقال لباقي الجسم.
في عصرنا الحديث فضلاً عن اكتشاف البكتيريا وطرق علاجها، فقد رصد علماء الأحياء سلوك البكتيريا وتعرفوا على طريقتها في مهاجمة الجسم والتلاعب بجهاز المناعة والمراوغة والتغلغل في داخله.
على سبيل المثال تمتلك بعض البكتيريا عوامل ضراوة تساعدها على تخطي دفاعات الجسم فتلتصق بالأنسجة من خلال أهدابها التي قد يصل عددها إلى الألف فتقاوم عمليات الغسيل التي يقوم بها الجسم كالدموع في العين وإدرار البول والمخاط في الأنف وحركة الأمعاء، فإذا لم تلتصق البكتيريا فإنها لا محالة بعد مدة قصيرة ستكون خارج الجسم.
تمتلك البكتيريا أسواطًا تجعلها قادرة على إحداث المرض في أماكن متعددة في الجسم نظراً لقدرتها على الانتقال السريع من خلال الأسواط التي تشبه الذيل، كذلك تمكنها من اختراق طبقات الجسم والتغلغل داخل الأنسجة.
من خلال إفراز الإنزيمات تستطيع البكتيريا إحداث جلطة داخل الأوعية الدموية، فتتكون الجلطة وتبقى هي في داخلها لكي تحمي نفسها من مهاجمة الخلايا اللاهمة.
كذلك تفرز أنزيمات تعمل على تأخير التئام الجرح من خلال منع تحول الفيبرونجن إلى فايبرين فيبقى الجرح مفتوحًا ومفككًا فتستطيع البكتيريا بسهولة الدخول والتغلغل والانتشار.
هذه بعض السلوكيات التي تتبعها البكتيريا في مهاجمة الجسم وفي المراوغة والتلاعب في الجهاز المناعي التي كانت في العصور الغابرة مجهولة تماماً، لكن بفضل أبحاث العلماء المتراكمة وصلت لنا هذه المعارف التي عند معرفتها عرفنا سلوك العدو والوقاية منه.



