12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الغياب أشد من الموت.. ثقافة التعامل مع كبار السن والمرضى

الخوف الذي يُحيط بنا دائمًا ونحن ننتظر حدوث أمر مجهول، ندرك أنه مُر ، ولكننا أيضًا نعلم أن النهاية ستطرق الباب حتمًا وستكون للأسف فاجعة.

في غياب أحد ما واختفائه من أسرته ومجتمعه ننتظر ونترقب وقد يعيش ذووه في حالة خوف وفزع وكذلك يعيش المجتمع معهم في حالة قلق وترقب وانتظار وتأمل لما قد سيجيئهم، وللأسف لا تبشر النتائج السابقة بخير، فالأيام تبدو كفيصل للحسم في كثير من قصص الغياب والاختفاء التي أتت بسبب مرض أو عجز أو إصابة بالزهايمر أو جاءت بشعة كجريمة موجهة وغير مسؤول عنها أو معروف مرتكبها، فتُقيد ضد مجهول.

غياب كبار السن واختفاء المرضى والعجزة حالة باتت تشغلنا جميعًا لأنها ظاهرة تتنامى في أوساطنا والأسباب كثيرة، ذلك لأن قضايا بعض كبار السن والعجزة ومعاناتهم تحمل الكثير من المآسي فليس من سمع كمن عاش وخاض في عمق التفاصيل.

كبار السن والعجزة والمرضى هم مسؤولية الأسرة أولًا وقبل كل شيء، هذه المسؤولية مفروضة من النواحي الدينية والاجتماعية والعرفية والأخلاقية، لكن التطبيق لهذه المسؤولية لدى الناس في المجتمع يبدو سيئًا جدًا فلا يوجد تدريب فعلي لهم على استخدام وسائل التقنية الحديثة والتواصل الاجتماعي، حتى يبعدوهم عن الاكتئاب أو حوادث الزهايمر التي تجيء بفقد التركيز والقدرة على العودة للمنزل؛ كوجود أسوارة أو بطاقة تعريف بالمريض وبحالته الصحية، وأرقام التواصل تضعها الأسرة كجهاز تتبع يعرف بتحركاته في حال الضياع والفقد - لا قدر الله - ويكونون بذلك قد وفروا الكثير من الحزن والألم عليهم وعلى الاخرين، في تجنب حدوث قصص ومآسٍ كثيرة لن يربح فيها أحد، ولن تُختتم نهاية صاحبها بأن يموت وحيدًا في ظروف مأساوية ومفجعة؛ وما أكثر مثل هذه الحالات في الآونة الأخيرة.

جهاز تتبع للحركة كأسوارة أو بطاقة تعريفية تدل من يصادفه على أسرته، لن يكلف العائلة شيئًا لكنه قد يكون حالة إحياء ونجاة من الموت المأساوي الذي لا أحد سيرتضيه لنفسه مستقبلًا.

لقد عملت لسنوات عديدة في برنامج "الطب المنزلي" وحاضرت عدة مرات حول أوضاعهم المعيشية والنفسية والصحية وفي عدة محافل ومؤتمرات وعلى عدة أصعدة، وبالاشتراك كذلك مع عدة جمعيات خيرية ولجان تطوعية ومهرجانات وأنشطة ثقافية وطلابية ومدرسية عديدة، من أجل إثارة حالة الوعي حول التعامل معهم، والأفضلية التي يمكن توفيرها لهم، وكانت تقودني لذلك فكرة التأسيس لتشيخ صحي وحقيقي فاعل في المجتمع، وللأسف وجدت أننا نفتقر جدًا لوجود برامج الرعاية الصحية والنفسية المناسبة لهم، أو حتى وجود النوادي الرياضية والتي هي شبه معدومة، كما أن فكرة التأسيس لنوادي الأصدقاء والعلاج الجمعي كذلك لدينا نتيجتها صفر.

ولا أحد بموقع مسؤولية عمل على تبنيها أو التأسيس لها، ومن خلال تجربتي الفردية مع هذه الفئات وجدت أنها أكبر استثمار صحي وحقيقي لأجل تأخير الشيخوخة ومقاومة العجز والإحباط والمرض والاكتئاب، وحتى التخفيف من الزهايمر الذي هو داء هذه الفئة وعدوها الأكبر، فلا شيء للأسف سوى دار الإيواء الباردة والمصير المجهول والمعتم، ومن ثم الغياب من الذاكرة حتى وقت الرحيل الذي يوقظنا بعد فوات الأوان..

لسنا نلوم أحدًا، فإذا أول شخص ما الأمور على غير وجهتها وحلل آخر الحدث، وقلق الباقون، فليس هذا فقط من باب الفضول أو الاستباق المرحلي؛ لأن المؤشرات تجيء وفق غير ما نرجوها، لكن الأمر صار قضية حقيقية شاغلة للمجتمع بكل أطيافه، ولهذا أيضًا تتشكل لجان عدة، وتخرج الفرق التطوعية والبحثية، وتبدأ وسائل التواصل الاجتماعي وتعلن حالة الاستنفار القصوى؛ لأجل المساهمة في العثور على بصيص أمل يستحضر حالة الغياب الذي لا يُعرف مآله.. فلعله يفلح في أن يُطمئن العائلة والناس على مصير الغائبين.

وبالأخير يُعثر على الضحية بعد أيام.. لكنها للأسف قد تكون فارقت الحياة في صمت وهلع وظروف عصيبة ومأساوية غالبًا عاشتها وحدها، ولا أحد يعرف كيف مرت الأمور عليها بانتظار المنقذ الذي لم يجئها أو جاءها متأخرًا جدًا بعد أن سلمت الروح لبارئها.

وكان بالإمكان استدراك الأمر فعليًا بوجود رفيق ومتابع، أو بطاقة تعريف أو أسوارة تتبع للغياب، والأهم تقديم شيء من الاهتمام وحقن المجتمع بالمزيد من البرامج الخاصة بهم، والمختصة بثقافة التعامل مع هذه الحالات، التي فقدت أهلية السيطرة على ذاكرتها، وقدرتها على العودة للمنزل بسلام.

عقيلة آل حريز
اختصاصية اجتماعية


error: المحتوي محمي