12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لماذا نقرأ الروايات؟

سؤال يتبادر إلى الذهن لدى طائفة غير قليلة، وخصوصًا ممن هم لا يعرفون للقراءة سبيلًا، ويطرحون على ذواتهم هدف القراءة عمومًا، وهدف قراءة الروايات خصوصًا؛ باعتبار الرواية عملًا خياليًا لا يمت إلى أرض الواقع بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، في حديثنا التالي سنجيب عن السبب في إطاره التطوري الطبيعي.

لكل قراءة هدف ما، ولا يمكن أن تخلو من هذا الهدف، بعضهم يقرأ للمتعة والشعور باللذة، هي مرحلة متقدمة، بعضهم يقرأ للتحصيل العلمي والدراسي الأكاديمي، بعضهم يقرأ لمجرد الاطلاع والمعرفة وإشباع الفضول في داخله، بعضهم يقرأ لأجل اكتشاف الحقيقة كما هي في كتب التواريخ والتراجم.

هذه القراءات المختلفة، لكل واحد منها هدف، ويمكن أن نشير إلى بعض الأمثلة المتعلقة بها؛ القراءة التي تهدف للمتعة تأتي مع الشعر مثلًا، حيث يتلذذ الإنسان بصياغة الكلمات، وتركيبها ضمن بناء متناسق، وطالب العلم يجتهد في القراءة لأجل التحصيل العلمي، أما الإنسان الذي تعرض له معلومة أو فكرة مثل التعرض لمشكلة في جهازه الذكي فإنه يبادر إلى البحث عن الحلول والاطلاع عليها، وربما يجد الفرد نفسه في بيئة تهتم بتفسير القرآن وتداول معناه وتعاليمه وحين يرد ذكر قوم من الأقوام يتجه للبحث عن المكتوب حولهم والاستزادة من المعرفة، أيضًا هناك أفراد آخرون يكونون أصحاب اتجاه ديني مثلًا، فيبحثون بعض القضايا القديمة التي حصلت، ويستمرون في التنقيب لعلهم يدركون الحقيقة.

أما بالنسبة إلى الرواية وقراءتها فنعيد طرح السؤال مجددا؛ ما الفائدة من قراءتها؟ وهو ما سنجيب عنه في الفقرات الآتية؛ لتسهيل إدراكها، ولأجل عدم الامتزاج بين بعضها البعض، وكذلك من أجل أن تحصل أكبر فائدة مرجوة من حديثنا، وتشبع كذلك فضول القارئ.

أولًا: الرواية ليست عالمًا مستقلًا عن عالمنا، ولا جزيرة معزولة، بل هي جزء من العالم، وتعبير عنه، واتصال به، وما يحدث في الواقع يمكن نقله وتحويله إلى رواية مع إضافة بعض التعديلات والتفصيلات؛ حتى تكتمل صورة المشهد بكامل أبعادها، ومن ثم يسهل فهم المغزى من ورائها.

ثانيًا: الرواية حديثة النشأة، وهي ليست موجودة منذ الزمن الغابر، فلا يوجد في تاريخنا العربي إلى حوالي عام 1300هـ، ما يمكن أن نطلق عليه رواية بالمعنى المتداول اليوم، ولذا فالرواية تحكي واقعنا الحياتي، ولا تحكي أمورًا خارجة عن هذا الواقع وإن تلبست بلباس الخيال.

ثالثًا: اللغة التي تأتي بها الرواية هي اللغة اليومية المعتادة السهلة القابلة للعجن والتشكل في أي قالب، ومن الصعب أن تقرأ رواية وتعود إلى معجم للألفاظ الصعبة، بل كل مفردة تفصح عن نفسها، وهذه العصرية تؤدي إلى إكساب القارئ الكثير من الكلمات التي لا يعرفها أو لا يتم تداولها في بيئته الصغيرة؛ حيث تعطيه ذخيرة لغوية عصرية سهلة.

رابعًا: يعتمد البناء الفني للرواية على أجزاء الواقع الحياتي وإن جاءت بأسماء مختلفة؛ حيث تنقسم إلى أشخاص، وزمان ومكان يجمعهم، تحصل لهم حادثة تتسبب في مشكلة، ثم تكبر المشكلة لتتحول إلى عقدة، بعدها يتم حل هذه العقدة وتنتهي الرواية، وبهذا المعنى فالرواية تعلمنا كيفية التعامل مع الحياة وتكسبنا الخبرة التي نحتاجها.

خامسًا: مهما بلغ الخيال الشعري في الغوص بحثًا عن المفردات البعيدة والمناسبة للوصف فإنه يظل أسيرًا لفهم القارئ الذي ربما لا يدرك الكثير من الخفايا في داخله، سواء لصعوبة اللغة أو لصعوبة العبارة، وبهذا تفوته التفاصيل العديدة، بينما الرواية تهتم، بل تحتفل بالتفاصيل الدقيقة وتفرد لها مساحة واسعة، وهو ما يؤدي إلى اتساع خيال القارئ، وتجعله قادرًا على رؤية أدق التفاصيل في حياته، وإدراك مغزى تصرفاته وتصرفات القريبين منه، كما يفيد كذلك في عمليات الاستنتاج التي يقوم بها الذهن في الأحداث المختلفة وكيفية مقاربته لها، ويمكن أيضًا أن يفتح أمام القارئ الكثير من الأبواب، حيث إن للخيال ميزة وهي لا تتواجد في الحقيقة حيث يكون قادرًا على إكمال الأحداث الناقصة واستنتاج النهايات غير المكتوبة أو غير المذكورة.

سادسًا: الرواية فوق ما ذكرنا تتميز بالتشويق والإثارة والحيوية، حيث تتعدد شخوصها وأحداثها ومواقفها فهي تشبع فضول القارئ في معرفة النهايات التي وصل إليها الشخوص وكيف تصرفوا في المواقف المختلفة، وهو ما يقترب من الحياة حيث الاهتمام بالأشخاص ومتابعة أخبارهم ومعرفة أحوالهم، وكيفية تصرفهم في المواقف التي يتعرضون لها.

سابعًا: للرواية ميزة ربما لا يدركها الكثيرون وهي تختص بالقارئ أكثر من الكاتب، باعتبار القارئ المتأثر الرئيس بما يحصل من أحداث وعقد، وهذه الميزة تتمثل في إكسابه القدرة على صياغة أحاديثه بشكل سردي لا يتوقف عند مجرد الإخبار بالأمور الأساسية والأحاديث الجامدة، وهو ما يكسبه القبول في البيئة المحيطة والإشادة به وبدماثة خلقه، كما تجعله قادرًا على إيجاد الروابط بين الأحداث، أو إنشائها إن استلزم الأمر.

ثامنًا: تعطينا الروايات الكثير من التفاصيل الدقيقة، بعضها خيالي لا يمت لعالمنا بصلة، لكن أيضًا هنالك روايات تذكر التفاصيل الحقيقية وبدقة، وبهذا تتحول الرواية من مجرد عمل سردي خيالي إلى عمل توثيقي يشير إلى التاريخ والجغرافيا والمنتجات الحديثة كالعطور والألبسة والأجهزة ويتحدث عن العلاقات الاجتماعية، ويصف ما يحدث في المجالس والأسواق بدقة شديدة تقود في النهاية إلى رسم صورة واضحة عن هاته البيئة أو تلك، فالرواية بهذا المفهوم تغنيك عن الكثير من الكتب في مجالات متعددة منها التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والثقافة والسلوك والأخلاق، والقائمة ستطول كثيرًا حين نكمل.

تاسعًا: تُعلمنا الرواية بصورة سرية كيفية محاورة الأفكار والرد عليها دون الحاجة إلى التخاطب المباشر، والذي ربما يعرضنا إلى الخطر في حال كانت الأفكار من الممنوعات السياسية أو الدينية أو الأخلاقية، وكثير من الروايات مررت رسائلها إلى القارئ، ولم يستطع الرقيب منعها أو معاقبة أصحابها؛ لأنها بكل بساطة استخدمت الرمز والإيحاء وابتعدت عن الوصف المباشر، وهكذا تكون الروايات أعظم مُعلِّم في التاريخ، حيث تنقل لنا الأفكار وتطرحها أمامنا بهدوء وتناقشها وتصل إلى الحلول، حتى وإن كان بعضها لا يتفق معنا أو مع تفكيرنا.

عاشرًا: تعتبر الرواية طريقًا للهروب من العالم الحقيقي، والانغماس في عالم خيالي أو مثالي يخلقه الكاتب، ويرسم من كائناته الجمال المفقود، حيث العالم الذي نعيش فيه يتحول أكثر فأكثر إلى السوداوية والظلامية ويتجه ناحية العدم وانسداد الأفق، وعلى الرواية أن تعيد الأمور إلى نصابها عبر اختراع العالم الجميل، وليس المقصود هنا بالجميل أن يكون إيجابيًا دائمًا بل ربما كان جميلًا مع وجود سلبيات ونقائص فيه، لكنه سيظل أجمل من الواقع الحقيقي.

هي بعض الأسباب التي تدفع الإنسان إلى قراءة الروايات، بل إلى الإكثار من قراءتها وإذا أعجبته رواية ما فربما يعود إليها بعد زمن ويقرأها ثانية لأنها بالنسبة إليه تمثل عالمًا مختلفًا عن عالمه، وتفتح أمامه الكثير من الأبواب، وأنت يا عزيزي، إذا لم تكن قد قرأت رواية من قبل فقد فاتتك الفوائد التي ذكرتها وكثير غيرها مما لم أذكره، فلتجرب الآن، وتبدأ في قراءة أولى الروايات، وأظنك ستشكرني فيما بعد.


error: المحتوي محمي