تبرز عظمة أمير المؤمنين (ع) في جوانب عدة كشمس ترسل أشعتها الذهبية إلى كل أصقاع العالم، ومن جوانب هذه العظمة قدرته على إجلاء الحقائق ووضع المفاهيم في إطار محدد يبعد كل لبس وشبهة وحيرة في الأذهان، وحينما نقرأ إشارته الرافضة للحياة الدنيوية ويعبر عنها بالطلاق ثلاثًا لا رجعة فيها، نقف متأملين فيما يريده الإمام (ع) من توجيه وتبيان يضعنا على سكة الوضوح، فما هو الوجه الذي ينبه على رفضه والتحذير من الوقوع فيه؟ وما هي النتائج المترتبة على اتخاذ طريق الإسباغ والامتلاء من زخارفها أو الترفع والتحرر من أغلالها؟
حب النفس طبيعة مجبول عليها البشر، بل هي أساس سعي الإنسان في حركته التكاملية ولب علاقاته مع الآخرين، فالوجه الإيجابي فيها هو الثقة بالنفس واستثمار القدرات والاندماج في الحركة الجوهرية للموجودات، ومن ثم ينطلق في صنع مقبولية ومحبوبية اجتماعية له تعود عليه بالأمان والسعادة.
وأما الوجه القبيح من ذلك الحب هو التغول وانتفاخ الذات وبلوغها مستويات عالية من التشرنق والاعتكاف على مصالحها ومشتهياتها، مع إغفال كل من هم حوله، بل والاستعداد لتخطيهم وتجاهل منافعهم والتعدي عليها إن اضطر إلى ذلك، فالنفس إن بقيت جامحة مطلقة العنان في تحصيل مراداتها ستحول صاحبها إلى شخص أناني انتهازي لا يعرف إلا نفسه فقط، سيمتطي الطمع والجشع وتتسع عينه بنظرة مادية بحتة لكل هدف يسعى إليه، فيتمركز حول نفسه في كل خطوة وفكرة يقدمها، وجهله يغلف عقله فلا يرى في أنانيته مرضًا ينخر جسده ويسلب منه جمال الإنسانية العالية، فتختفي منه مظاهر الرحمة بالآخر والمساندة للغير ورسم البسمة على وجه البائس، فقد تخطى كل الخطوط بتمحوره حول نفسه وإلقاء الحضور الاجتماعي المميز جانبًا.
نزعته الأحادية كما تجعله يطرح مصالح وسعادة الغير، كذلك يتجاوز ذلك بطرح رؤية نرجسية ذات طابع مختلف لسلوك وفكر الآخرين، فيرى - مثلًا - في مساعدة الغير والتكاتف وخدمة الناس سخفًا وضعفًا وتضييعًا للوقت والجهد، فهو أولى بكل دقيقة وعمل ليبني هرمية علميته أو ثروته، ولذا يظهر لا مبالاة بأحوال الناس من حوله ولا يبدي اهتمامًا بمساعدتهم وتخفيف آلامهم، و قبل أن يقدم على شيء ينظر فيه إن كان يعود عليه بنفع شخصي وإلا تركه، ومنطقه الأعوج حينئذ يقوده نحو تبرير تقاعسه حتى عن مجرد المشاركة الوجدانية بحجج وهمية، ولا يتورع عن إضمار حقيقته بالأكاذيب.
وجنبة قبيحة أخرى تبرز في الشخص القابع في سجون النفس المنتفخة، وهي استغلال الآخرين، إذ ينظر لهم نظرة دونية ينتقص فيها كل شيء فيهم حتى عقولهم، وما يراهم إلا سخرة يعملون من أجل تأمين مصالحه والعمل من أجل خدمته، في مقابل أنه يبدي امتعاضًا ورفضًا لأي دعوة للمساندة والوقوف مع الغير في ساعة الشدة، فهل يمكن لمثل هذا ممن هو محبوس في سجن نفسه أن يقيم علاقات قوية وفعالة مع الآخرين في محيطه؟
بالتأكيد أنه سيواجه صعوبة في بناء علاقات حقيقية فعالة خارج إطار المجاملات، وذلك أن العلاقات مبنية على الأخذ والعطاء والاهتمام ومساندة الآخر، مما يجعله حبيس نفسه ومجتمعه إذ يشعر بالوحدة، فمن ذا الذي يأنس وينجذب إلى أناني مغرور؟
وللخلاص من حبس النفس وتغلغل الأنانية علينا أن نستشعر عظمتنا وتقدير ذواتنا بحجم ما نكون عناصر فعالة ومعطاءة، نستشعر السعادة والسرور بإسداء المعروف وتقديم الخير للغير، فالحياة الطيبة تقوم على أساس الحب والثقة والتفاهم مع المحيط بنا، وهو ما يفرض علينا الإحساس بوجود واهتمام وآلام الآخرين، فالإنسان ليس بمخلد و لكن الراحلين بخير هم من بقت مواقفهم شاهدة على طيبهم وحتى ابتسامتهم وكلمتهم اللينة تخلدها النفوس، هكذا يرى أمير المؤمنين (ع) صناعة النفوس القوية المعطاءة، فلا خير فيمن فتنته دنيا زائلة أبقته أنانيًا يعشق التملك والتسلط، وأورثته الرذائل من الصفات والسلوكيات التي يستقبحها العقل الرزين.



