12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

جزيرة تاروت.. «اكتشاف الكنز»

في عودة ميمونة للذات والثقافة المحلية المطرزة بالجمال الغنية بالروعة، بدأ اهتمام شبابنا وفتياتنا مركزًا في هذه الأيام بالتنقيب في مناجم الإبداع والحضارة فيما تكتنزه آثار ومباني ديرة جزيرة تاروت ذات العمق التاريخي والحضاري والإنساني.

برز هذا الاهتمام على شكل فعاليات ثقافية وفنية وترفيهية يتم تنظيمها بحرفية عالية وثقة كبيرة في محاولة واعية وجادة لإبراز مكنون الإرث الحضاري المتواري بين أطلال المباني المتداعية والقلعة الراقدة على تلة الجزيرة الخضراء الوادعة.

المناشط الجميلة التي يتم تنظيمها بجهد ذاتي تطوعي كل أسبوع تحمل دلالات كثيرة ذات طابع إنساني وأخلاقي ومهني من أبرزها ما يلي:

* الاعتراف الضمني بأننا نمتلك تاريخًا وحضارة ضاربة بأعماقها في جذور الحضارات الإنسانية ولسنا أمة مجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار.
* تعزيز ثقة الأجيال الجديدة بانتمائها إلى هذه الأرض وانشدادها إلى القيم والتاريخ والثقافه والمعارف التي تستبطنها هذه الآثار، ومحاولة الغوص في أعماقها واستنطاقها واستجلاء محتواها الجمالي والفني واستلهامه في الواقع المعاش.
* القيمة الجمالية في التصاميم تمثل انعكاسًا للذائقة الفنية والجمالية والروح المتطلعة للفرح والمنسجمة والمتصالحة مع الطبيعة وتطويعها لاحتياجات الإنسان في بعديها المادي والمعنوي.
* القيمة المعنوية المنتزعة من الانتماء الديني والاجتماعي المنسكبة بروعة على تصاميم البيوت والمباني، ففضلًا عن إشباع وتلبية احتياجاته البيولوجية فإنها ساهمت بشكل واضح في تلبية احتياجاته المعنوية والروحية وإرواء عطشه القيمي من خلال انسجامها مع مبادئه الدينية وأعرافه الاجتماعية التي يعتنقها ويؤمن بها، فالستر والعفاف وروح الأسرة وحقوق الجار وإقراء الضيف وصلة الرحم والبعد عن التكلّف.... تبدو حاضرة بوضوح وجلاء فيما يستبطنه التصميم وتحتويه البيوت من مرافق وخدمات.
* فهم إنسان هذه الأرض لأرقى النظريات الحديثة في فنون العمارة بالاستفادة مما تجود به أرضه من مواد البناء والتشييد والاكتفاء بها دون الحاجة إلى استيراد عناصر أجنبية عن البيئة، مما يؤكد وجود حالة إلهام وهداية تكوينية أرشدته بأنها الأفضل والأقدر على مقاومة عوامل الضعف والتصدع والبقاء لفترات طويلة محتفظة بقوتها ومتانتها من الداخل والخارج، مع الاهتمام بعناصر الجمال والتناسق واستثمار المساحات وتوظيفها بشكل هندسي رائع وملفت والمحافظة على البيئة وانعدام مسببات التلوث البيئي والبصري.

ومع احترامنا لكل هذه الجهود الكبيرة والرائعة إلا أنها تعتبر بمثابة اكتشاف الكنز والوصول إليه، مما يعني أن الجهد الأكبر ينبغي أن يركز في كيفية استثماره والاستفادة منه وهذا يحتاج إلى خطوات أبرزها:

* سن قوانين وأنظمة للمحافظة على ما تبقى منها ومنع التعدي عليها وطمسها أو تشويهها.
* تسهيل الحصول على تراخيص إنشاء جمعيات أهلية تعنى بالتراث والمحافظة على البيئة تحتضن المختصين والمهتمين وتنسق جهودهم وأنشطتهم وتعمل على رفد ودعم الجهود الرسمية في هذا المجال.
* القيام بإجراءات عملية من قبل الجهات الحكومية المعنية بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والمستثمرين لإعادة تأهيل هذه المواقع لخدمة الأنشطة الثقافية والسياحية والترفيهية.
* توفير جميع المتطلبات والخدمات لتتحول إلى ميدان علمي وبحثي تُمكّن المهتمين والدارسين والباحثين والمختصين من الوصول إليها والاستفادة منها في مجال الدراسات الجامعية والبحوث العلمية والإنسانية.
* تشجيع الاستثمار فيها ووضعها ضمن مناطق الجذب السياحي في المنطقة من خلال تحويل بعض المباني إلى مطاعم ومتاحف وورش فنية وغيرها.

ختامًا شكرًا لكل المهتمين الذين كان لهم دور ريادي في تسليط الضوء على هذه البقعة الكنز، من فنانين تشكيليين ومصورين محترفين وحرفيين، وفعاليات اجتماعية وثقافية، حملوا هم هذه الجزيرة، وحلموا برؤيتها موقعًا يتصدر اهتمام مسؤولي هذه البلاد الطيبة، ومقصدًا يستقطب الدارسين والمهتمين بالتراث والتاريخ، ومسرحًا يلبي رغبات وشغف السياح والزوار من داخل المملكة وخارجها.


error: المحتوي محمي