ورد عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ قَالَ كَتَبَ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الهادي (ع) إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِنَا: "عَاتِبْ فُلَانًا، وَقُلْ لَهُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا إِذَا عُوتِبَ قَبِلَ" (وسائل الشيعة ج ١٢ ص ١٨).
غير خافٍ أن عملية التنمية المجتمعية المتعلقة بطريقة تفكير الأفراد هي مورد عناية من الباحثين، والذين يرون في طرح الآراء في أجواء هادئة بغية التوصل إلى أفكار ناضجة وأعمال متقنة هم عماد الرقي والتقدم، فالسمو والارتقاء في شخصية الفرد تعني تنمية قدراته والتخلي عن السلبيات والتصرفات غير المقبولة، وبلا شك فتوجيه النقد والنصح لنا يعبر عما نحظى به من اهتمام في محيطنا.
إذا نبهك أحدهم إلى مورد خطأ ارتكبته أو أشار إلى نقطة معينة أخطأت في عرضها أو كتابتها، هل تتقبل ذلك وتراه توجيهًا يرتقي بأدائك، أم أن ردة الفعل العاطفية الانفعالية تتملكك وتعتبره كعدو يحاول انتقاص شخصيتك وإظهارك كفرد ضعيف؟
النقد البناء كالمرآة العاكسة لعملك وتبصرك بما لا تراه من بقع متسخة، وما عليك إلا المبادرة إلى إزالتها والبروز بحلة جميلة اختفت منها الخدوش، وهكذا هو النصح المقدم لك ليس إلا دعوة لإعادة الحسابات، فالنقد ليس معركة عليك خوضها والانتصار فيها، بتقديم التبريرات الوهمية التي تدافع بها عن عملك وموقفك وتدفع عنه تصور الخطأ فيه، وإنما هو دعوة لتطوير عملك وتحسين أوجه القوة فيه وحذف الأخطاء ليس أكثر من ذلك، فمعاتبتك بخطأ ارتكبته يجنبك مستقبلًا الوقوع فيه، وغياب النصح وطغيان المجاملات المقيتة والمداهنات يعني تراكمًا في الأخطاء، ومتى ما شاعت وعمت ثقافة النقد والتخلي عن الحساسية الزائدة من أي توجيه، أدى ذلك إلى رقي وتنمية في فكر الناس و جودة مخرجاتهم.
وردة فعلك الطيبة وتلقيك التوجيه برحابة صدر والتشكر من القائل، ومقابلته بعبارات جميلة تعبر عن استعدادك للتغيير وتجنب هذا الخطأ أو النقص مستقبلًا، يعطي انطباعًا حسنًا عن أريحيتك وسمو أخلاقك، إذ المهم عندك الوصول إلى التألق والنجاح.
تقبل النصيحة وما يشير إلى جهة خطأ صدر منك لا يعد اعترافًا بضعفك أو قصورك كما يتوهم البعض، بل هو رسالة إيجابية تنبئ عن ثقتك بنفسك ومعرفتك بما تمتلكه من قدرات دون توهم المعرفة أو القدرة المطلقة، بل الخطأ وارد فيما نقدم عليه من خطوات أو فكرة أو دراسة معينة، ووجود الاشتباه والخطأ وتقبلنا للتنبيه عليه له دلالة مهمة، وهي سعيك المستمر لتطوير نفسك وتجويد وتحسين قدراتك وتطويرها للأفضل، فما يوجه لك من نقد رسالة بإعادة حساباتك وترتيب أوراقك حاذفًا الأخطاء السابقة منها، ولا يستدعي ذلك نبرة الغضب وردة الفعل العنيفة والتي تخلف انطباعًا بأنك متهور أو معجب بنفسه لحد النرجسية، ومتزمت لا يقبل النقاش والوصول للقناعات المبنية على الفكر لا الأهواء والعواطف.
فتح باب النقاش وتبادل وجهات النظر وتقبل طرح الرأي الآخر والأخذ به إذا تبين صوابيته هي من سمات الناجحين، والذين يبحثون عن نقاط الخدش ومواطن الخلل لما يقدمونه، فلو كنت رسامًا وخطت أناملك رسمًا رائعًا ولكن نبهك آخر إلى وجود زيادة أو نقص ما، ألا تتقبل رأيه وتتشكر من صنيع معروفه؟
تتباين وجهات النظر بيننا حول توجيه النقد لما نقدمه من فكرة أو خطوة نقدم عليها، فالبعض يرى فيه نوعًا من الانتقاص لشخصيته ووسيلة هجومية ينظمها البعض ممن لا يكنون له محبة ولا يرغبون في رؤيته ناجحًا وموفقًا، وللحفاظ على موقعيته والتعامل مع الآخرين وفق الندية وليس من باب الطرف الضعيف، يغلق باب إبداء أي ملاحظة أو تعليق على ما يصدر منه، وبالتالي لا يتقبل أن يتخطى معه أحد الخطوط الحمراء التي وضعها كحد يمنع من تجاوزه، ويتصور أن إسداء النصح وتوجيه النقد الإيجابي نوع من الاستباحة والتجاوز على شخصيته، ولذا يعتمد مثل هذا الشخص على تقديراته وتصوراته لأي موقف ويقدم عليه، وأي نقد لموقفه يقابله بهجوم لاذع شرس، ويعد هذه الحدية نوعًا من الدفاع عن نفسه لا يهادن فيه!!
وهذا لا يعني أن تقبل النقد أمر يصدر بسهولة من كل أحد، ولكن طريقة تقديم وتوجيه النصح وانتقاء الكلمات أمر مهم؛ لئلا يجرح الآخر بمعنى لا يقصده ولكن عباراته القاسية مؤلمة، وما يحسن الرسالة الانتقادية ويخفف لهجتها هو تصور القائل لنفسه وكأنه المقصود بذلك، فهل يمكنه تحمل ما بين ثناياها أم أنها كلمات خشنة بعض الشيء ويحتاج لتخفيف لهجته الانفعالية؟
و لتقبل الآخر النقد علينا أن نتجنب شخصنة الموضوع أو توجيه النقص أو الخطأ لشخصه، بل نقصر توجيهه على الفكرة أو السلوك الصادر منه فقط، ويسهل تقبل النقد عند تطعيمه بكلمات تدل على اهتمامك وحبك لرؤيته بأحسن الأحوال، فيستشعر حرصك على مساندته في تقديم الأفضل.



