المساجد بيوت الله والعباد عياله ومن رحمته بهم تفضلاً يناديهم ليكرمهم.
يَحْبُوهم ويعطيهم.. العبد في المسجد هذا المكان الطاهر. يدعو لنفسه وللمؤمنين وهم. يشاطرونه الدعاء.. قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...} [البقرة: 186].
ومن منا لا يرجو قربه تعالى ويطمع لنيل عطاياه؟ وأقرب ما نكون منه عندما نجتمع ركعاً وسجوداً. غير أن واقعنا فيه تقصير ويخالف ما نسعى جاهدين إليه مع كثرة المؤمنين.
بعض المساجد وقت الفريضة شبه خالية من مصلين أو إمام.. بالتأكيد هناك أسباب مقبولة كانت أو مرفوضة يجب معالجتها.. نستعرض الأبرز منها (المعني بالكلام هنا البعض وليس الكل) بلا شك نحن مقصرون في حث أولادنا على الذهاب إلى المساجد للصلاة مع تواجدهم وسعة وقتهم، وفي أيام الجُمع خاصةً لأن بعض الآباء فضلًا عن الأبناء وقتها يكونون في سبات عميق.. فكيف يأمرون الأبناء بالذهاب؟ هذه عادة خاطئة يجب علينا جميعاً التخلص منها وتغييرها، وننتبه لأنفسنا وننبه أولادنا حتى نحرز الأجر الذي نحتاجه يوم لا ينفع مال ولا بنون.
ولكن أيضاً لماذا يتخلف الآباء؟ لو تحدثنا معهم نجد أن بعض أعذارهم هم محقون فيها؛ ومنها:
أولاً: التصرفات المزاجية المكشوفة من بعض العلماء وإن لم تصل إلى مخالَفة شرعية، لكنها فيها خدش للأخلاق وخلاف للمروءة، ونتج عنها تقليل هيبتهم واحترامهم وأثرت بدورها على رغبة الائتمام بهم.
ثانياً: عدم التزام بعض أئمة المساجد بالحضور وقت الصلاة أو كثرة الغياب.. وقد يكون معذوراً. وهو كذلك ولكن أين البديل؟
يخلو المسجد من الإمام وتتكرر هذه الحالة إلى أن يتولد عند المأموم انطباعٌ التقليل من أهمية الصلاة؛ لأنه يرى من يجب عليه الاهتمام بها لا يهتم.. وكأن أحداً لا ينتظر في المسجد حضوره وإن غاب أو جاء متأخراً لا يعتذر.
ثالثاً: مع كثرة العلماء - حفظهم الله - بعض المساجد لا تُقام فيها جماعة مطلقاً أو أغلب الفرائض لماذا؟ أين العلماء؟ أين طلبة العلم؟ يوم جُمعة مسجد دون جماعة؟ أو ينتظرون حضوره ولا يحضر! الكل يتساءل إلى أن هُجرت مساجد.
رابعاً: تأخر إمام الجماعة مدة طويلة من دخول الوقت، مع التكرار ولغير سبب.. إلى أن يغلب النعاس على بعض الحاضرين؛ ومنهم من يعاني صحياً، ومنهم من يفقد الطهارة أو يضطر للخروج، أو لديه التزامات، أو.. أو.. إلى أن تنفره هذه المواقف، وإلى غير رجعة.
خامساً: الإطالة في الصلاة أحياناً؛ خصوصاً بين العشائين؛ وقت عمل الكثير، ومشاغل والبعض متعب وآخر يعاني.. كذلك البحث يوم الجمعة بين الظهرين لغير الضرورة.
سادساً: عدم الرد المقبول من بعض الأئمة عن الإطالة أو التأخير والغياب، أو البديل، بدلا من إيجاد الحل المرضي والمقنع فيكون الرد توبيخي؛ ما عندكم صبر؟ لماذا العجلة؟ تجلسون على النت ساعات وتستكثرون على الصلاة ساعة؟ إلى أين أنتم ذاهبون؟ وإلى آخره..
هذه ردود تُؤخر ولا تقدم أو تحل ولم تعد مجدية.. أنت تخاطب عقولاً واعيةً ولكن يُراد لها تنشيط للطاعة.. أمَامك أيها العالم الجليل قضية كل يوم تتسع رقعتُها حاول أن تجد طريقاً لحلها أو يتحول الشاب لما هو أسوأ.. كن قريباً من هذه الشريحة وحببهم للمسجد وإليك حتى لا تجرفهم أفكار منحرفة وبلا رجعة.. أئمة المساجد هم القدوة للمجتمع.. إذا لم يلتزموا في الحضور وكانوا غير معنيين بظروف الآخرين ولا مقدرين لأوضاعهم ومعاناتهم، وضياع الوقت لا يعنيهم في شيء؛ فماذا نرجوا ونطلب من البقية؟!
لذا نوجّه النداء لعلماء الدين وأئمة الجماعة ونرجوهم: حلّوا قضية العزوف عن المساجد بالتزامكم الاجتماعي المحبب وحرصكم على الوقت وتخفيف الصلاة، وترك البحث بين الصلاتين ما لم تكن هناك ضرورة. فالوقت إذا لم تكونوا في حاجة إلى ساعاته فغيركم محتاج لدقائقه..
وعلى العامة تقدير واحترام العلماء الملتزمين تحت كل العناوين، وعدم التدقيق عليهم إلى حد العصمة أو التقليل من مكانتهم.
أنا أُصلي الظهرين في مسجد الإمام ألمهدي (عليه السلام) القريب من شاطئ المنطقة الخامسة بالقطيف وإمام المسجد ملتزم بالوقت في كل صلاة، والكل راض عنه.. أرى فيه حضور المصلين متميزًا عن بقية المساجد، وأكثرهم من الشباب، ولو سألت أحداً لماذا تحضر كل يوم إلى هذا المسجد؟ يجيب: لأن الإمام ملتزم بالوقت ولا يطيل في صلاته ولا يتغيب عن الحضور فلا يضيع وقتي هدراً.. وهناك مساجد أخرى أئمتها بمثل التزام هذا الإمام، وإن كانوا قلة، ولكن أين الغالبية؟ أين البقية؟
نسأل الله لهم جميعاً التوفيق والحفظ والسداد...



