تختلف المدن في تاريخها الحضاري، وعاداتها، وتقاليدها ومعتقداتها اختلافًا كبيرًا قد يصل حد التقاطع أحيانًا؛ بل إن الاختلافات الاجتماعية داخل المدينة الواحدة أصبحت بلا حدود، ولن نبالغ حين نقول إنها تصل حد التقاطع، وإذا حدّقنا قليلًا بعين البصيرة وجدنا ذلك التقاطع موجودًا داخل العائلة الواحدة، وإذا كانت نظرتنا مجهرية قد نجده داخل الأسرة الواحدة.
إن الاختلاف الكبير في وجهات النظر الاجتماعية حالة عامة وليست وليدة على المجتمعات إطلاقًا، بل إن معتقدات الإنسان الشخصية قابلة للتغير أو التبدل تبعًا للتجربة والثقافة، والعلم وربما المصالح، لذلك تجد أن البعض أصبح الآن مقتنعًا بحلية أمر ما، وأنه سلوك حسن في حين أنه كان يرى ذلك السلوك محرمًا، وغير جدير بأدنى مستويات الاحترام سابقًا.
لسنا في صد إيراد أمثلة من هنا وهناك لأن كلًا منا لديه ألف شاهدٍ وشهيد.
الحداثة، والانفتاح، والترفيه المعاصرون خلقوا فجوة اجتماعية كبرى في المجتمعات بشكل عام، قد تسبب شرخًا اجتماعيًا يصبح سوط جلاد على ظهور الناس مستقبلًا.
لو تجرد الناس عن ثقافاتهم وميولهم وانطباعاتهم قليلًا وخلقوا مجالًا لتقبل الآخر برأيه وثقافته، وميوله، وحملوه على حسن الظن لما تراشق الناس فيما بينهم، ولانحسرت حدة الخلاف كثيرًا كثيرًا.
يجب أن نعترف بكل شفافية أن البيئة، والوسط الأسري والاجتماعي بشكل عام له دور بارز في صياغة أفكار أفراده، بل إن البيئات تشكّل الثقافات حسب ما تراه مناسبًا.
ومن ذلك أن البيئة التي لا ترى في السفور عيبًا، ولا في الاختلاط خللًا سيكون أبناؤها مستعدين للتعارف، وتكوين علاقات مختلطة، وارتداء كل مثير، الخلل الذي تربت عليه هذه الأسرة تسبب في خلل أكبر منه تلقائيًا في المستقبل، وبالتالي؛ فصدور التجاوز الديني أو الأخلاقي منها أمرٌ طبيعي، وإذا أمعنا النظر وجدناها ضحية تربية خاطئة أو عادات اجتماعية غير مقبولة وهي لا تعلم ذلك، وعكسها البيئة التي تربت على الذكر، وتعلمت أخلاق آل محمد.
الحال الخطير الذي تربّت عليه أجيال البيئة المنحرفة ينطبق بوجه أو بآخر على المتشددين دينيًا الذين حسبوا أنفسهم ملائكة الجنة، ووزعوا صكوك الغفران على الناس، جعلوا كل من يخالفهم تقليدًا، أو توجهًا، أو تفكيرًا، أو سلوكًا، من أهل النار، بل لم يسلم منهم حتى العلماء الربانيون الذين نذروا أنفسهم لله، جل هذه الفئة المتشددة مهما كثرت، وعلا صوتها كان لها تاريخ مظلم، وسعت لتبديله فيما بعد، وظنت أن التشدد هو الوسيلة الأمثل للطهارة، تشتم، وتسب، وتقذف، وتطعن كل من خالفها، وتصلي في الصفوف الأولى في المساجد، وترفع راية الشعائر تارة، وقضايا الاختلاف التاريخي تارة أخرى.
وفي رأيي البسيط أنه لا فرق في خطر الفريقين على المجتمع، كلا الوجهين لهب حارق لا يبقي ولا يذر.
قد أوردنا المثالين أعلاه للتوضيح فحسب، ولكنه لا ينطبق بحال على أحد بعينه، وإلا سقطنا معهم في ذات الوحل لا سمح الله.
ما نراه - حديثًا - في ولادة المبدعين القطيف الحبيبة من ظهور تراشق في المقالات، وطعن، وتسفيه، وتسقيط من طرفي الاختلاف حول قضية العزف في أحد المقاهي لا يعكس الصواب مطلقًا لأي منهما.
فهنا يظهر لنا كاتب يؤيد الموسيقى والعزف والرقص ويعتبره حضارة وحرية، يقابله كاتب آخر يحرم ذلك ويعتبر كل مؤيديه من أهل الرذيلة، وعديمي الشرف المنحلين سلوكًا، وسيبقى الحال زمنًا طويلًا ليفسد ما بقي من جمال، وثقافة، في قطيف العلم، والأدب، والمعرفة، والخلق الكريم.
نحن نرى أن الأسلوب الأمثل هو ما ورد في القرآن الكريم، وأخلاق آل محمد {ادفع بالتي هي أحسن}، لا شك ولا ريب أن الحُسنَ بستان عام غير محدود يحمل في جنباته الحسن في الأسلوب المتّبع في حوار الآخر، وحمل تفكيره على الخير، ونصحه بالخلق الكريم وفي المكان الكريم، بما يحفظ أصالته وكرامته، وعدم المساس به شخصيًا أو عائليًا أو طبقيًا، وعدم التشهير، أو الاستهزاء به تحت أي ذريعة، ومحاولة إيجاد قنوات تواصل ثقافية ومعرفية تزيل الاشتباه وتوضح الحقائق بهدوء وحكمة بصرف النظر عن القناعات الشخصية.
إن نظرة واحدة على الخطاب القرآني لمعلم البشرية الأول محمد (ص) {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، يختصر لنا مسيرة الحياة التعاملاتية، أي أن الأخلاق الكريمة الفاضلة هي السلوك الأجمل لعلاج أي اختلاف ديني أو اجتماعي ونحوه {فمالكم كيف تحكمون}، {تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}.
وخلاصة القول؛ لو أننا اتخذنا الوسطية، والاعتدال، والموضوعية سلّمًا في علاج اختلافاتنا مهما علت، واتبعنا سنن القرآن، وأخلاق الأنبياء في أدبيات الخلاف وجسدنا سلوك محمد وآل محمد، لبلغنا المراد بأعلى المقاييس وأيسر السبل وأجمل الأساليب.



