في سباق للسرعة كي يعرفوا من الأسرع الأسد أم الفهد؟ تفاجأ الجميع بأن الفهد لم يتحرك من مكانه.
فسألوا منسق السباق ما لذي حدث؟!
فكان رده:
"أحيانًا محاولة إثبات أنك الأفضل تعتبر إهانة".
بين سطور الناس يعيش أفرادٌ استطاعوا أن يدعموا وجودهم بفرص قوية وأعطوا الناس من جهدهم ووقتهم وأموالهم فأقاموا جسورًا رابطة بينهم وبين الآخرين وأعلنوا أسمى آيات الحب، وفي الوقت ذاته أوغلوا صدور البعض حقدًا وحسدًا عليهم.
ومازال هؤلاء الناس في معظم أوقاتهم يرفضون التواجد في دائرة الضوء إلا ما رحم الله وفي أوقات تكاد تكون محدودة. يَسْمُون بأنفسهم عن الحديث عن الآخرين ولا يدخلون في سباق الجري الاجتماعي وحب الظهور لأنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك.
أفعالهم تترجم كل خطواتهم، آبارهم مملوءة بعذب المياه يرتشف منها القاصي والداني، أياديهم بيضاء تنحو نحو الفضيلة والكرم، تحويلاتهم المصرفية تتشعب في وجوه مختلفة حيث تُمسح دمعة يتيم، أو تُفرّج عن كرب مسكين وربما لا يعلم بذلك إلا الله تعالى.
وكم من النقد يُواجه به هؤلاء فلا يتحدثون إلا لتصويب سوء فهم أو فكرة مغلوطة بحقهم، في الوقت الذي يكونون فيه محور العطاء وتتدفق أيديهم كرمًا لكن بخفاء شديد ودون علم من الآخرين.
وقد يتفاجأ الناس بانقطاع روافد العطاء المتعددة في حال وفاة ذلك المُحسن الكريم.
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (صلوات الله عليه) أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: "إِنَّ صَدَقَةَ الْمُؤْمِنِ لَا تَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُفَكَّ عَنْهَا لَحْيَا سَبْعِينَ شَيْطَاناً، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، فَإِذَا تَصَدَّقَ أَحَدُكُمْ فَأَعْطَى بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِهَا عَنْ شِمَالِهِ".
ولا أدلّ من ذلك ولا أجمل من قصص العطاء التي ظلتْ شاهدًا حيًّا وقفات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه زين العابدين (عليهما السلام) مع الفقراء والمساكين والأرامل التي اختفت باستشهادهما.
وإذا كان العطاء الخفي يطفئ غضب الرب فإن العطاء العلني يدفع الكثير من البلاء.
رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنَّهُ قال: "صَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ تَدْفَعُ سَبْعِينَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ".
ويظل المؤمن عونًا لأخيه في جميع أحواله، يمدّ إليه أنْهُر من الحب إحسانًا ويحافظ على مودته، ويبقى ارتباطه به أجمل عنوان يحقق التكافل الاجتماعي الإسلامي الأصيل. وتظل صدقة السر عنوان الإخلاص في عمل المؤمن.
قال الله تعالى:
{إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ}.



