ما هو المسار الذي يشكل المصداقية وقوة الشخصية والحضور الفعال في ساحة تبادل الأفكار وتلاقحها، ويعطي مؤشرًا على سلوك ينم عن امتلاك عوامل البحث والتطبيق بما يتوافق مع رؤاه وتطلعاته؟
هناك حالة أشبه ما تكون بالإسفنج الذي يمتص مياهًا كثيرة وسرعان ما يعود لوضعه الأول بعد تسربها، هم كذلك من يرفعون عقيدتهم بالكلمات الرنانة والصرخات العالية والسيل الهادر من الخطابات المطولة، هذا الانتفاخ والتضخم والتفاعل القوي الظاهر لا يتعدى مستوى التنظيرات التنفيسية لمجرد إثبات حضور أو طلب شهادة تفوق ويتلوها تصفيق حار لا أكثر، فسرعان ما يخفت إوار حنجرته الملتهبة ويعم السكون نظراته ولسانه ويعود للمربع الأول وهو التفرج وتخزين الصور للأحداث مجددًا.
تلك الهالة والضوضاء التي أحدثها ما هي إلا مسار آخر للاعوجاج الذي ينتهي إلى بؤرة الجهل وعمى البصيرة، فأدعياء العلم والمعرفة والاطلاع يزمرون ويطبلون لإحداث أكبر تأثير ودائرة التفات لهم، ولا يتمخض عن حديثهم إلا فأر الخيبة وبث الشؤم والإحباط من حدوث أي تغيير إيجابي، فقد تعلقت آمال البعض وعقدوها كحبل نجاة ببيت عنكبوت واهن ما لبث أن تقطع لأشلاء، لم تسهم في بث الوعي وجلاء الصورة الواضحة لاكتشاف الواقع كما هو، بل أوغلت في الظلام والخفاء أكثر من ذي قبل.
انظر لطريقة رصدنا ومتابعتنا للحوادث والظواهر فهي ليست أكثر من فضول وحب استكشاف ولت وعجن وإضافة بهارات، دون اهتمام بلب الموضوع والفائدة المرجوة منه كدرس نستفيده في مستقبلنا.
كلمات متناثرة ومنشور من هنا وهناك يثير الزوابع ويشد الأذهان نحو ما يدون فيها، ولكن الخلاصة لما يقال لا تتعدى ما يشبه الخواطر والكلمات العاطفية التي لا تلامس الحدث البتة، نحتاج إلى قراءة متأنية بعيدة عن الشخصنة تسبر أعماق الحدث والظاهرة بالتحليل والاستنتاج المنطقي؛ بحثًا عن معالجات عملية وحلول نوظفها في ثقافة المجتمع.
وكما أن الكتابة العاطفية التي تعيش على هامش الواقع لا في صلبه مسار فارغ، كذلك هناك منحى خاطئ وهو الظهور بوجهين ولسانين لا يتفقان أبدًا، كلام يعبر به المتحدث أو الكاتب عما يجيش في نفوس المتابعين ويعتمل في خواطرهم وقيمهم وآدابهم، وهو ما يخالف واقعه وقناعاته ولكنه ركوب للموجة واستغلال للفرص، ففي حين أنك ترى له ما يعبر به عن أهمية الصداقات والعلاقات الاجتماعية الناجحة وعوامل استقرارها واستمراريتها، بينما هو في الواقع يحمل معول هدم وتخريب في علاقاته، والتي تشهد توترًا مع هذا وقطيعة مع ذاك، ومهاترات وضرب تحت البطن وتراشق كلامي ساخن في منتدياته، فأين الوئام والمحبة والاحترام للآخر مهما كانت درجة الاختلاف معه، وما يمارسه على أرض الواقع من احتراب وإيغال في تحطيم أطر النجاح في العلاقات وتجنب القطيعة والتجاهل للآخر.
أفضل أسلوب يعالج به هفواته ومعاقد أخطائه هو الكذب الممزوج بابتسامة باهتة، بينما يسطر أعذب الكلمات ويصفها بأسلوب بلاغي جميل تتزين في إطار ذهبي تتوسطه كلمة الصدق والشفافية.
يتحدث عن نزاهة النفس وعليائها بترك التنافس اللاهث والتهافت على كراسي المناصب ومبوأ الوجاهات إرضاء لغرور نفسه وتضخمها، ومن تحت الطاولة يبحث ويخطط للظفر بأي كرسي، وعلى منصة التبرير يحكي عن شغفه بخدمة الناس وقضاء حوائجه، والحقيقة تغاير كلماته المتطايرة كفقاعات.
يهاجم الظواهر السلبية غير المقبولة اجتماعيًا ويعتبرها بؤرة فساد وانحراف لابد من مواجهتها دعوة وحوارًا أملًا في التخلص منها، والذي يحتاج إلى تحمل المسؤولية وشجاعة موقف يتخذها الشباب المثقف الواعي، ولكن مصلحته الخاصة تفرض حديثًا آخر عن نفس المكان والموقف، فيعتبرها حرية لابد أن تحترم وتمازج أطياف في مركب واحد.
الواقعية والموضوعية في التعبير عن الأحداث والأفكار تجنبنا أسلوبي الفقاعات الإعلامية والتلون والنفاق الاجتماعي والثقافي.



