12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الرحمة المغيبة

يعتقد الكثير من الناس أن الفراق يبنى على العلاقات السلبية فحسب، وبالتالي فهو نتاج اختلاف معين أصبح خلافًا فيما بعد، ثم سيّرته الظروف ليكون فراقًا أبديًا.

وهذا القول صحيح؛ غير أنه لا ينطبق على كل الحالات، فبعض الحالات يكون الفراق فيها واجبًا أخلاقيًا وذوقيًا، فضلًا عن أنه الواجب الشرعي.

وعليه؛ نجد أن بعض حالات الطلاق ضرورية، وحتمية، وعواقبها حميدة رغم ما فيها من مآسٍ، وأوجاع، وجراحات لا تندمل أبدًا.

كذلك الحال في بعض الصداقات التي تعمقت، وتجذرت وبلغت مراتب الكمال؛ ثم استغل أحد الطرفين أمان الآخر للغدر، أو الخيانة، أو السرقة، أو التعدي بمختلف زواياه.

بلغت بعض العلاقات في كنهها المراتب الأعلى في الوفاء، والمحبة، والإخلاص، ثم تحولت لعداوات، ولولا الفراق الأبدي لبعض هذه الحالات لوصل الأمر إلى إسالة الدماء؛ وعليه فالفراق هنا رحمة مغيبة.

الغدر، والخيانة، ونكران الجميل، والتعالي، والذاتية، والحسد، والغيرة، والتحايل، وسواها؛ عوامل رئيسة في فراق الناس وعداواتهم، حتى وإن غُلّفت بطبقة من المجاملات.

أحيانًا تكون اختياراتنا للآخرين غير مدروسة، وأحيانًا أخرى تكون مدروسة، لكن الزمن أبدل القيم وأحال الذهب نحاسًا، وأحيانًا نؤمن بالمسموع دون تجربة، وأحيانًا نتعامل بالفطرة والأصالة، وفي أحيان أخرى يكون للقدر رأي آخر، قد تكون العلة الغائية للإنسان لا تتحقق إلا بعد هذا الوجع، بحيث تكون مرحلة الألم هذه مرحلة تطهير وغربلة لما بعدها، وفي كل الأحوال ندفع من أرواحنا، وأجسامنا، وعقولنا وجعًا وحسرة لا تقدران بثمن.

وعليه؛ فالفراق قد يكون علاجًا جميلًا، أو ضرورة، أو شرًّا لا بد منه.

تجبرنا الظروف - أحيانًا - على الابتعاد عن أحبتنا وأهل ودّنا؛ غير أن ذلك كله لا يعني غياب المحبة أو فراق الأرواح أبدًا.

قد يكون للحب لذة لا تتحقق إلا بالفراق، وأحيانًا يكون الفراق درسًا لا يمكن أن تعلمه الآخر إلا به، وقد يكون لحفظ ما تبقى من أطلال المودة، وقد يكون الحل الوحيد الذي تستقيم به الحياة، في بعض الأحيان يكون الفراق رحمة بالآخر واعتناءً به، وفي أحيانٍ أخرى يكون المفارَق غير جدير بالوصال.

ولكن، وفي مطلق الأحوال؛ ينبغي علينا أن نترك وردة بيضاء مع كل فراق، ونتعهد ريّها بدموع الحب.

من الجدير بالذكر القول هنا؛ إن هناك حالات كثيرة من الطلاق أو الفراق في العلاقات الإنسانية أو الزوجية لا مبرر لها شرعًا ولا خلقًا ولا ذوقًا؛ وإنما كانت وليدة ضيق في الأفق وضحالة في التفكير حينًا، ووليدة الأنا والانفعال حينًا، وفقدان في التركيز وبساطة في العلاج في أحيان أخرى، وقد تكون نتيجة فقدان الموجه الحقيقي والبيئة التربوية الصالحة.

إن قرارًا يهتز له العرش جدير بمزيد من التأمل، والتضحية، والتروي، والحكمة البالغة من كل الأطراف؛ وإلا كانت العواقب الاجتماعية له لا حدّ لها ولا وصف، ولكانت الضحايا في أعمار الزهور من الجنسين، كما أن الوجع الإنساني الناتج منها لا تحتمله القلوب.

وعليه؛ نحن لا نعني بالرحمة المغيبة كل ما يتعلق بصغار العقول الذين وقعوا ضحايا أنفسهم فظلموا الآخرين إثمًا وعدوانًا دون وجه حق؛ وإنما نعني ضحايا الظلم والقدر الذين استنفدوا كل السبل العقلية والأخلاقية غير أن المشيئة اقتضت خلاف ذلك.

طبعًا؛ ما ذكرناه ليس دعوة للفراق، ولا تلميعًا لصورته، ولا تبريرًا للمفارقين؛ وإنما بيان للحقيقة المغيبة وتخفيف مِن جلد الذات لدى البعض، فضلًا عن رسم نظرة إيجابية للمستقبل بعد التحولات، وبناء مشروع إنساني متكامل القوى، وبنفس مطمئنة، ورأي سديد يصنع من النار قبسًا من نور.


error: المحتوي محمي