كان للشاعرِ أبو ذؤيب الهذلي خمسة أبناء أصابهم الطاعونُ وماتوا في سنةٍ واحدة كلهم. دَفَنَ ذؤيبٌ كل آماله في الدنيا معهم واستحكم الحزن فيه، حاكى الألمَ في أروعِ صورهِ ورثاهم في قصيدةٍ قال فيها:
أَمِـنَ الـمَنونِ وَريـبـِها تَتَوَجَّـعُ
وَالـدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ
قـالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً
مُـنذُ اِبـتـَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ
أَم مـا لِجَنـبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَـعاً
إلا أَقَـضَّ عَـلَيكَ ذاكَ المَضـجَعُ
فَـأَجَبتُها أَن مـا لِـجِسـمِيَ أَنَّهُ
أودى بَـنِيَّ مِـنَ البِلادِ فَوَدَّعوا
أَودى بَـنِيَّ وَأَعـقَبوني غُـصـَّةً
بَـعـدَ الـرُقادِ وَعَـبرَةً لا تُقـلِـعُ
سَـبَقوا هَـوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ
فـتُخُرِّمـوا وَلِـكُلِّ جَنـبٍ مَصرَعُ
فَـغَبَرتُ بَـعدَهُمُ بِعَـيشٍ ناصـِبٍ
وَأخـالُ أَنّـي لاحِـقٌ مُسـتَـتـبَعُ
لا ألمَ يضاهي ألمَ فقد الأصولِ فروعها لأمرين وهما: أننا نحن البشر نتوق إلى الخلودِ في الدنيا في أنانيةٍ مستحكمة ونرى ذلك يأتي في فروعنا ومتى ما اغتالها الزمانُ فكأنما حكم علينا بالموتِ دون أن يذكرنا أحد. والثاني: أننا لا نتوقع أن نخسر فروعنا في حياتنا بل هم من يبقون بعدنا، يرثِونا ويرثُونا وليس نحن من نبقى بعدهم، فكأنما يصدم القدر من فقدهم. نحن نرى زهونَا وفخرنا وهيآتنا فيهم، كلما نظرنا في مرايا الحياةِ قلنا: الله، ما أجملنا فيهم!
يسلو من فقد أبيهُ أو أمه ولكن تترك الفروعُ ندوبًا لا تبرأ بعد سقوطها من الأصلِ ويموت الأصلُ بموتها. في علوم الهندسة يمكننا محاكاة الأشياءِ واستنطاقها بأن نخلق لها نظائرَ فعلية أو نظرية ولكن حالات الفرح والألم لا يمكن محاكاتها في النفس البشرية إلا من قِبَل من ذاقَ حلاوتها ومرارتها، وتبقى نغمةُ طنبور الألم أقوى من رقة وترِ عودِ الفرح في كل الأحوال. في الدنيا ملايينٌ من الناسِ فقدوا فروعهم كلها أو بعضها، لا نسمع لهم قصائدَ ولا من يبلغ آلامهم ويحمل صورهم وصدى أناتهم. ومن ثم يموتون في صمتٍ يحسدونَ الشاعرَ على محاكاته ألمه وبثه في التاريخ، فكأنما أو ذؤيب وأم ذؤيب تناسخوا مراراً وتكرارًا.
يسكن حجرات العقل والقلب الفكر والحزن والفرح وكل أحاسيس النفسِ والروح. وأنا خاطبتُ فيك أيها الإنسان بعضها، أما اليوم فأخاطب فيك الحزنَ أيها الشاب، الألم الذي يبقى لمن بعدك أن تُجرح فكيف أن ترحل. أمك وأبوك يزهوانِ بك وكلما نظرا إليكَ قالا: هذا لنا، فهلا رحمتهما وبقيتَ لهما!
يوم كنا صغارًا كم استرقنا النظرات لناظمِ الغزالي قبل سقوط الفن حتى في المعصية يغني الأدبَ العربي الرفيع في الألمِ لشاعرٍ به مسٌّ من الجنون:
لمـا أنـاخـوا قبيلَ الصـبحِ عيسهـمُ
وحمّلوها وسارت في الدجى الأبـلُ
يا حاديَ العيسِ عرِّجْ كي أودعـهـم
يا حادي العيس في ترحالكَ الأجـلُ
لـما علـمت بـأن القـوم قـد رحلـوا
وراهبُ الـديرِ بالـناقـوسِ منـشـغلُ
شبكتُ عشري على رأسي وقلتُ لهُ
يا راهبَ الديـرِ هل مرت بـك الإبـلُ
يا راهبَ الديـرِ بالإنجـيـلِ تخبـرنـيْ
عن البـدورِ اللواتـي هـا هـنا نـزلوا
فحـن لـي وبـكى وأنّ لـي وشـكـى
وقـالَ لـي: يـا فتى ضاقت بك الحيلُ
إن البـدورَ اللـواتـي جئـتَ تطـلـبـها
بالأمسِ كانـوا هـنا واليومَ قد رحلـوا
شبكتُ عشـري على رأسي وقلتُ له:
يا حاديَ العيسِ لا سـارت بك الإبــلُ
ليـت المـطايا التي سارت بهم ضلعت
يوم الرحيلِ فلا يـبقـى لـهـمْ جـمـلُ



