تعرّف هندسةُ الأشكالِ الخطَّ المستقيم على أنّه أثرٌ ينتج عن تتابعِ نقاطٍ تجاورُ بعضها البعض، وبأنّ امتداده يكون بشكلٍ طوليٍّ وليس عرضيّ، فلا يوجد له سمكٌ أو عمق. وعندما تتعرج الخطوطُ المستقيمة وتلتوي تخلق أشكالاً أخرى منتظمةً، وغير منتظمة. أحد الأشكالِ المنتظمة التي يشكلها التواءُ الخط المستقيم هي الدائرة التي شغلت فكرَ الإنسانِ في الوجهِ الجميل، وفي طبيعةِ القمرِ والشمسِ والأزهارَ الدّائريةَ والعجلاتِ الحاملة والتروس التي مكنت تطورَ الآلاتِ الحديثة.
أسهمت دراسةُ رياضياتِ الدائرة في تطويرِ علومِ الهندسة والفلك، والتفاضل والتكامل، وعلوم التنجيم، وارتبطت بالأديانِ من حيث اعتقاد بعضها أن شكلَ الدائرةِ يحمل شيئًا مُقدّساً أو كاملاً في ذاته.
شغلت الدائرةُ فكرَ الإنسانِ الذي تشبه مراحلُ حياته الدائرة من حيث البدايةِ والنهاية، وليس بالضرورة بينهما حتى إنه حتم أن كل شيءٍ تقريباً يعود إلى الدائرة ومنها حركة الحضاراتِ والتاريخ من حيث إنها تنتهي من حيث بدأت، ولكن ليس بالضرورة أن هذا الفكر هو الذي يجب أن يكونَ هاجسنا. مما يجعلنا نستنتج حتميةَ الدائرة في كُلِّ شيء هو أننا نتعمد لي الخطِ المستقيم وإخراجه عن مساره بأدواتٍ نخلقها وعندها يأخذ المدى المنفتح أشكالاً مغلقة.
خلقَ اللهُ البشرَ وأعطاهم الوسائلَ الكفيلةَ أن تكون محصلة حركتهم الجمعية، وليس الفردية، نحو التكاملِ والرقي بحيث تكون مجموع القوى المؤثرة في التاريخِ والحضارة قوىً دافعةً للأمام، ولا يؤثر خروجُ بعضُ القوى عن مسارها في مجموعِ تلك القوة الدافعة. لكن عندما تختار المجتمعاتُ والحضاراتُ تعمد تكرارِ الخطايا التي حرفت ومنعت معظم قوتها أن تنتظمَ في خط مستقيم، فلا بد من حتميةِ أن يعودَ التاريخُ ويكرر نفسه بحيث إننا نرى الزمنَ ذاته عادَ مرةً أخرى!
إن الهـلال إذا رأيـت نـموهُ
أيقنت أن سيصيرَ بدراً كاملًا
نكرر أفعالنا التي نتوهم من خلالها أن الزمنَ يعود في المالِ والاقتصادِ والحرب والسلم والحب والبغض وسقوط وعلو الأمم، وليس للزمانِ أو المكانِ أيَّ واقعٍ فيها خارجَ ما أوقعناهُ نحنُ في أفعالنا. إذاً، خلافاً لهندسةِ الأشياء التقليدية يجب أن نشغل ونعمل فكرنا في الخطوطِ المستقيمةِ التي ليس من الحتمية أن يكونَ لها نهاية، أما الدائرة الجميلة والتي نراها في أشياءَ رومانسية أو شديدةَ التعقيدِ فهي متناهيةٌ في ذاتها ومكونةً من خطوطٍ مستقيمةٍ متناهية أيضاً.
إذا نظرت للقمرِ في سكينةِ الليلِ ورأيته مكتملاً ومتناهٍ في الحجم فتيقن أن دوائرَ حتمياتِ السقوط هي انعكاساتٌ لما نحمله في بواطٍ نسميها رؤوسنا تعكس تحت أشعةِ القمر ما فيها من أشربة، وتيقن أن الدوائرَ إنما خلقت لغزلِ العشاقِ فيمن عشقوا:
يا من يسائل عن فـوزٍ وصورتهـا
إن كنت لم ترها فانظر إلى القمرِ
كأنما كان في الفـردوس مسكنها
فـجـاءت الـناسَ للآيـاتِ والـعبـر
العباس بن الأحنف



