تتوالى نعم الله على عباده أينما كانوا كرش المطر وبلا حدود؛ غير أن استثمار ذلك العطاء متفاوت عند الناس، فمنهم من يحسن استقبال هبات السماء ويجيد استثمارها بما يعود عليه بالخير الوفير في الدارين، ومنهم من يستقبل ذلك العطاء؛ غير أنه لا يحسن الاستثمار بالشكل اللائق أو المطلوب، ومنهم من لا قابلية له لاستقبال نعم الإله وبالتالي ليس جديرًا باستثمارها.
لا ينكر إنسان منصفٌ أن نعم الله عليه تترى صباحًا مساءً، بصرف النظر عن سلوكه، ومعتقده، ودينه، رحمة الله وسعت كل شيء وتجاوزت حدود الإنس، والجن، والنبات، والحيوان، إلى عوالم وفضاءات أبعد من عقولنا بكثير.
لا أحد منّا يستطيع حصر نعم الله أو بلورتها، أو تصنيفها، أو حدها مهما بلغ من درجات العلم والمعرفة؛ {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.
قدرات الناس، وكفاءاتهم، ومستوى إخلاصهم، ومؤهلاتهم الذاتية والمكتسبة متفاوتة بلا شك تفاوتًا كبيرًا، لهذا كانت نتائج هذا التفاوت مختلفة اختلافًا لا حد له؛ فالإنسان الذي يفكر نوعيًا، ويعمل عقله في الوصول بجودة عالية، وفي وقت قياسي، وبأمهر الوسائل، وأيسر السبل، يختلف عن العشوائي الذي يترك الماء يجري به كيف يشاء؛ توجهه الريح، ويعيقه القش ولا يدري متى بدأ؟! ولا متى؟! وأين سيصل؟!
إن الله جل وعلا فضّل بعضكم على بعض في الرزق؛ لاستحقاقات خاصة وملكات فعلية، ومكتسبات، وأعمال وسلوكيات متوجة بإخلاص وتوكل {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}.
وعليه؛ كان صلاح هذا العبد وفق هذا المستوى الكمي، والكيفي، من الرزق والآخر وفق المستوى الآخر وعلى هذا فقِس.
وقد وزع الله الأرزاق لكل عباده وفي كل مكان بحيث شملت رحمته كل الخلائق وفي كل العوالم.
قومٌ وهبهم الله علمًا خاصًا، وقوم وهبهم شرفًا وعزًا، وآخرون ذرية طيبة وآخرون مالًا، وآخرون مقامًا محمودًا، وآخرون حبًا في قلوب الناس، وآخرون أمانًا، وآخرون فكرًا، وآخرون إخلاصًا وتقى وإيمانًا؛ كلٌ بحسب رسالته التي خلقه الله لأجلها وبحسب طاقاته الكامنة ومؤهلاته وأعماله {إنَّا كل شيء خلقناه بقدر}.
لا حدود لرحمة الله ولا لرزقه، فهي ممتدة بامتداد الوجود في كل العوالم (ما قبل الدنيا، عالم الدنيا، عالم البرزخ، عالم الآخرة)، ولا يدري أي منّا حقيقة هذه النعم حتى يُكشف عن بصره في اليوم الموعود.
إن الرزق الظاهر أو الهبة السماوية لبعض العباد تتعدى حدودها الزمانية والمكانية بآلاف المساحات والأزمنة؛ فقد تكون العلة المغيبة من الرزق مدّخرة لسنوات بعيدة ولكنها لا تكون إلا بهذا السبيل.
وعليه؛ لو سلم الناس بأنهم جميعًا محال نعمة الله، ومحال عنايته، وأنهم مكرمون لديه {ولقد كرّمنا بني آدم}، وبأن صلاحهم الحقيقي في ما وهبهم الله إياه؛ لما كان للشحناء والتباغض والحسد مكان في قلوبهم.
إن فرقة الناس، وتشتتها، وانهيار العلاقات الإنسانية الحقة، وقطيعة الأرحام، وهجران الأصدقاء، والتجاسر، والظلم مردّه إلى الجهل بعظمة الله ورحمته، وتغليب هوى النفس على العقل، وعدم مجاهدتها، والخضوع لوساوسها المضللة.
إن الرزق الكامن في لذة مناجاة ساعة واحدة بإخلاص، ويقين، وتأمل أغلى من الدنيا وما فيها عند أولي الأبصار؛ بل إن لذة العبادة أسمى من كل اللذات مهما علت عند أصحابها.
لست أدري متى نحكّم لغة العقل ولغة الدين ولغة السماء على حواسنا وتفاكيرنا؟! ونحكم بعين البصيرة عوضًا عن عين البصر {مالكم كيف تحكمون}.
متى تعود القلوب إلى فطرتها؟! والنفوس إلى طينتها؟! متى يحتضن الأخ أخاه؟! والصديق صديقه؟! والجار جاره؟! والرحم رحمه؟! والمجتمع أهله أجمعين؟! لنشعر بالعلة الغائية من الخلق ونؤدي رسالتنا كما أراد الله.
متى يعود الحب، والجمال، والطهر، والدعاء في كل أنحاء الوجود؟!



