تضاف صفة العظمة على بعض الشخصيات في دلالة على فرادة وتميز وتألق ظهر فيها، وذلك من خلال مواقفه وقراراته وكلماته التي تفيض بالحكمة وبعد النظر والشجاعة والمصداقية، ومن حاول تزييف التاريخ والعبث في تصنيف الأشخاص وإضفاء الألقاب والنعوت المشرفة لمن لا يستحقها، لم يسعفه رأي أهل التحقيق والإنصاف، إذ أنهم لا تأخذ بعقولهم الكلمات الرنانة والشعارات البراقة، بل يصنفون كل شخص بحسب ما أتى به مما يلطخ صفحة التاريخ بالسواد، أو أنه يرصع بأحرف ذهبية مواقف مشرفة وقوية تنم عن صفات كريمة مختزلة في شخصيته.
والنهج القرآني في وصف الشخصيات والأقوام واضح في وضع معيار الفكر الرزين والموقف الحكيم والشجاع، وهذا ما ينبغي أن نتخذه نبراسًا ومعلمًا في حكاية الواقع بما هو بلا تزييف للحقائق أو تحريف أو شخصنة وعاطفة عمياء، مشاعر تزيغ عن الصورة الواقعية فتضفي من الأوصاف ما لا حظ له.
وفي استعراضنا للشخصيات العظيمة كالأنبياء والأئمة والمصلحين ونساء أهل البيت (ع) و ما كانوا عليها من عظمة و سمو نفوس عالية، لا ندعي ذلك ولا نقول به لمجرد أحكام جزافية لا حظ لها من الواقع، بل هي شهادات التاريخ و تقليب أوراقه للمتأنين المنصفين تبرهن على ذلك، فما نحتاجه في التعريف بشخصياتهم قراءة متمعنة في مواقفهم وكلماتهم التي تمثل منهجا يحتذى ويعمل به من يطلب الكمال والتهذيب لنفسه، نستحضر أحداثًا تاريخية نخضعها لمجهر البحث والتحليل ومن ثم نقول بما توصلنا إليه من نتائج وخلاصات، نعرضها لمن يرغبون برؤية شهودية قلبية لمن كانوا تجسيدًا لسمو الروح و العطاء بأعلى درجاته والمنطق الحكيم الذي يجلي الحقائق.
السيدة زينب (ع) لها من المواقف والحكم ما يكشف كنه تلك العظمة التي اكتنفتها ما بين جوانحها، فيتجلى لنا البعد الأول من سر عظمتها وسمو روحها الطاهرة، وهو الجانب العلمي، فهي ربيبة الدوحة المحمدية والشجرة العلوية والثمرة الفاطمية وكفى بهذا تعريفًا وتوصيفًا لها، وقد وظفت العقيلة (ع) معرفتها الدينية في مجال التبليغ والتدريس النسائي.
الجانب الآخر هو علاقتها بالله عز و جل الذي أنار قلبها وأشرق عزة وكرامة وزهدًا في الدنيا الفانية، فمع ما كان عليه زوجها عبد الله بن جعفر من غنى وثروة، والذي جعل لها كامل التصرف فيها لعلمه بما هي عليه من غنى نفس وانقطاع الأطماع عنها، فأظهرت عظمة العطاء بأجلى مصاديقه، وهو إيثار الآخر وسد جوعه وتقديمه على نفسها، كما كانت عليه السيرة لجدها المصطفى وأهل بيته من يطعمون الطعام على حبه إخلاصًا لوجهه تعالى وتقربًا له.



