صباحَ يومٍ بارد في الأسبوعِ الأول من كانون الثاني عام ١٩٨٠م، كنت أمشي مع صاحبي الذي سبقني بعامٍ في مدينةِ تولسا، في أولِ الأشهرِ التي كان فيها رهائن أمريكيون محتجزونَ في إيران إبان عهدِ الرئيس كارتر، وكان العداءُ مستحكماً لكل من لونهُ بني من الشرق. مر بجانبنا سائقُ شاحنةٍ صغيرة وأطلقَ منبهَ الشاحنةِ وعندما نظرتُ إليه رفعَ أحدَ أصابعه. سألت صاحبي هل أرد التحيةَ بمثلها؟ قال أكمل سيرك ولا تنظر إليه! أكملت سيري وفي طولِ المدةِ رأيت كثيراً من الأصابعِ تشير نحوي، لكنني "ولم تلهني دارٌ ولا رسمُ منزلٍ... ولم يتطرّبني بنانٌ مخضبُ".
في الثقافاتِ المتعددة هناك رموزٌ وإشارات تأخذ حيزًا في الحبِّ والكره والغضب والرضا، يعطيها الناسُ دلالات فعندما يخلعونَ هذه الرموز أو يرتدونها تتجلى فيها عواطفهم. ولكن يأخذ الأصبعُ القيمةَ الكبرى بين هذه الرموز، يربينَا الأصبع، ويخيفنَا الأصبع، ويخطب فينا الأصبع، ويطربنا الأصبع، ونموتُ عندما يضغط الأصبعُ على زنادِ البنادق.
ومنذ ظهرت الكتابةُ على الألواحِ الإلكترونية اختصرت الأصابعُ كل الثقافاتِ واللغات. يكفي أن تطبعَ أصبعًا يشير إلى الأعلى حتى يخفق قلبُ من يراه وكأنكَ كافأته بكل جوارحك، ويكفي أن تريه أصبعًا يشير إلى الأسفلِ فتطيح بكل أحاسيسه وكأنه زجاجٌ سقط من شاهق! من يأخذ الأصابعَ الأكثر في العلو يحصل على التبني في الفكرِ والمالِ والمكانة الاجتماعية ويكفي ألا تأخذ منها شيئًا لكي لا تحصل على شيء.
ربما كانت الأصابع فيها من الهزلِ والجدل ولكن من العقلانيةِ أن ننظرَ إلى أصابعنا وقلوبنا أينَ نضعها وأن نحصلَ على موافقتنا الذاتية قبل أن تمتد أصابعنا للعالم ثم يقطعوها أو يقبلوها. من أرادَ أن يعمل لتصفقَ له الأصابع ومن يكتب لتسحرهُ الأصابع، فلابد أن يعرف أن الأصابعَ لا تأخذنا نحو قمةِ الجبل أو تنزلنا الوديان ولكن همم الرجالِ والصبايا والصبيان هي من يأخذ المجتمعاتِ نحو القمم. في تسارع المعارف علينا أن نعضَّ بَنان النَّدم عندما نبقى بعيدًا عن القافلة، إذ أن التاريخ لا يشير ببنانه إلا لمن عَلِمَ وعمل.
وأظنني لم أخطئ حين اعتقدتُ أن الأمريكي كان عنصريًا جهةَ اللونِ البني الذي يجهل من أين جاء، وكل الشعوب المتقدمة ترفع أصابعها لكل الشعوب الأخرى تقول لهم: يكفيكم ما قال قيس بن الملوح:
لقَد ثَبَتَت في القَلبِ مِنكِ مَحَبَّةٌ
كَما ثَبَتَت في الراحَتَينِ الأَصابِعُ
وَلَو كانَ هَذا مَوضِعَ العَتبِ لَاِشتَفى
فُؤادي وَلَكِن لِلعـِتابِ مَواضِـعُ
وَأَنتِ الَّتي صَيَّرتِ جِسـمي زُجاجـَةٌ
تَنِمُّ عَلى ما تَحـتَويهِ الأَضـالِـعُ
أَتَطمَعُ مِن لَيلى بِوَصلٍ وَإِنَّـما
تُضَرِّبُ أَعناقَ الرِجالِ المَطامِعُ
ما يمليه العقل وتكتبه الأصابع، ثم تجتمع الأيادي وتحيله مادةً لا تستطيع الأيامُ والليالي أن تفنيه ولكنها تحيله شيئًا آخر أثمن. في الفيزياء ينص قانونُ حفظ الطاقة على أنه "في أي نظامٍ معزول، الطاقةُ لا تفنى ولا تستحدث من العدمِ ولكن يمكن تحويلها من صورةٍ لأخرى". الأصابع للنايِ والعود والمزمار ومنها نخرج أنفاسَ عقولنا وبها نكتب تاريخنا...



