٢ كانون الثاني عام ١٩٨٠م، التقيتُ جاري في عنوان ٢٦٠٨ شرق، الشارعِ السادس، خطوات من جامعةِ تلسا. كان الجو بارداً وثلوجُ رأسِ السنةِ وبقايا أشجار عيدِ الميلاد تغطي الطرقَ والأشجار، وتجعل الليلَ مضيئاً في انعكاسِ وانكسارِ الضوءِ الأبيضِ منها. اختار مندوبُ الشركةِ لنا شقتينِ متجاورتينِ مع أننا من جهتينِ متعاكستينِ في البلاد، في الشرقِ والغرب ومختلفين في المذهب.
مرت الأيامُ وصرنا أصدقاء، نحب الحياة، لا سلاسلَ ولا قيودَ على شابينِ يافعينِ غير قلادتي الصدورِ التي كانت تزين جيدينَا. وبعد أيامٍ اشتريتُ أول سيارةٍ لي بألفَ دولار، تعلمت القيادةَ فيها وعلمته. كنا نغلق أبوابَ السيارةِ وننط من النوافذِ مثلِ الصبيانِ النبلاء في مسلسلٍ كان يعرضه التليفزيون عام ١٩٨٠م، كان فيه صبيانٌ يعاندونَ عمدةَ المدينة الغبي الذي يطاردهم ولا يستطيع القبضَ عليهم، وكانوا على حَقٍّ في كل ما يفعلونه وهو كان لهم بالمرصاد. الله! كم مرة وقفنا عندَ إشارةِ الضوءِ في وسط المدينة وعندما يغفل كنت أقول له: ماذا تنتظر؟ الإشارة خضراء وكان ينطلق وهي حمراء لأنني فقط كنت أمازحه. لم نسأل بعضنا عن الدينِ أو السياسة، وربما لو سألنا بعضنا ما اتفقنا، كان يصلي مثل والده وكنت أصلي مثل والدي. طبخه كان جيداً وشهيتي كانت جيدة.
ذات مرةٍ كاد مديرُ السكنِ الأمريكي من أصولٍ إفريقية أن يطردنَا لأننا أوقفنا السيارةَ في موقفه الخاص وكان الماء يتسرب إلى شقته التي يسكن فيها وزوجته الشقراءَ لأن صاحبي لم يشتر مانعاً يحجز الماءَ عند الاستحمامِ وكانت شقته فوق شقتهما.
سنتان ولم يكمل الشاب مقرراتِ الجامعة وعاد للوطن للعمل. وبقيت حتى عام ١٩٨٦م حين رأيته أول مرةٍ بعدها، وكم طار قلبي شوقاً إليهِ والأيام والأوقات التي قضيناها والخطايا التي ارتكبناها، ولكنني وجدت قلبه بارداً مثلَ جسدِ الأموات. زرته في مكتبه فوجدته كأنما اكتشف البارودَ وعرف أنني في مذهبٍ غير مذهبه. حاولنا أن نعودَ صبيين لكن صداقتنا شاخت تحتَ ثقلِ الاختلافِ الذي اتسع علينا أن نجد له مقبرةً في التاريخ أو نخفيه في صدورنا وعقولنا، استدعينا في جلساتنا كل غاباتِ التاريخ والدين وتهنا فيها.
ليس كل الحكايات تنتهي في سلام، غاب العقل وحضر القلب وصرنا نسأل؛ هل كان من المفترض أن تجمعنا الغربةُ وتفرقنا الجوامع؟ واتفقنا على أن نبقى بعيدين. ترك العملَ قبلي بسنوات وعاد إلى مسقطِ رأسهِ يصلي صلاةَ والده وعدتُ إلى مسقط رأسي أصلي صلاةَ والدي، وأغلب الظن أننا لن نلتقي.
اخترتُ العنوانَ الأول لهذه الذكرى "النبلاء" ولكنني استبدلته لأن ما قمنا به ليس له من النبلِ نصيب، هكذا هي الحياة كيف أردناها تكون...



