في ردهات زوايا صومعته، يأتي محملًا بالصمت، ليجدها ذاته، تشتعل فنًا، يبحر بعيدًا بين أدواته، ليصيغ بأنامله، المعجونة بأفكاره، تأملاته في كل ما تبصره عيناه وما لا تبصره، عاشقًا، جاء من الأدب، ألوانه، كلماته، التناغم الوجداني، الثقافي، مجدفًا، اتخذ من الخشب، كنه أسراره، ليمارس النحت، ارتواء اللحظة العشقية، كوسادة، انحناء الأمل، الأمل في استدعاء الابتكار، الدهشة، الفنان هاشم علوي هاشم العلوي، من مواليد بلدة القديح، يفتح نافذة سيرته الفنية والأدبية، لـ«القطيف اليوم»، الآن، نصغي ونبصر، احتواء الفن، الأدب، ليعلونا التأمل.
س: عرفنا على بطاقتك الشخصية والدراسية؟
ج: هاشم علوي هاشم العلوي. من مواليد: (27/12/1389 هجرية – 05/3/1970 ميلادي)، بلدة القديح- شرقي السعودية، المؤهل العلمي: ثانوية علمي- عام 1408 هجرية، متزوج ولديَّ ست بنات وحفيدة وحفيد، متقاعد منذ ثلاث سنوات عن العمل في المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة- الجبيل، بعد خدمة 28 سنة في مجال تشغيل الوحدات- المولدات الكهربائية والتوربينات الحرارية- لإنتاج الماء والكهرباء، والتدريب المهني للعاملين عليها من مشغلين ومهندسين باللغتين العربية والإنجليزية، أمتهن العمل في النجارة منذ سنوات طويلة، وأمتلك ورشة ومؤسسة خاصة بصناعة المنتجات الخشبية.
س: بالنسبة للنحت، حدثنا عن بدايتك فيه، وكم كان عمرك؟
ج: أنت تسأل عن توجه متأخر عن الاهتمامات الفنية والأدبية الأساسية التي كنت أمارسها، ولكن بالعموم أنا وجدت نفسي تلقائيًا أتوجه للنحت، حين كانت الكلمة لا تسعفني وكان للصمت وقعه الأهم على النفس، لتجد أحاسيسي ما تتجسد عليه، على الخشب الذي تربطني به علاقة عشق، ليس فقط كمحترف أعتاش عليه، بل لعمق المعرفة بخواص الأخشاب وجمالياتها، وكان ذلك عام 2005 ميلادي.
س: ما المراحل التي يمر بها إنجازك الفني بداية من الفكرة، بزوغها في ذهنك إلى تجسيدها واقعيًا؟
ج: لكل منحوتة سابقها الفكري والنفسي الذي ينتجها ويتجسد فيها، وفي الغالب لا تكون فكرة المنحوتة أو شكلها سابقًا للعمل، بل أترك لأصابعي حرية العمل، فتخرج هكذا، ولأنني لست واقعًا تحت أي ضغط مطلبي محدد، شخصي، أو مالي، أو ترقب مشاركة في معرض، أو ورش عمل، فإن إنجاز المنحوتة قد يطول أو يقصر بحسب الزخم النفسي المصاحب للعمل، بعضها يمكن أن ينجز في يوم، وبعضها الآخر يأخذ شهرًا، والعكس صحيح.
س: أي الأعمال الأقرب لذاتك وفكرك؟
ج: حنظلة القرن الواحد العشرين، نسبة إلى حنظلة الرسام ناجي العلي.
س: قصة منحوتة، قمت بعملها، لها حكاية فريدة؟
ج: أول منحوتة، وكان اسمها "موكا"، وهو "الوجه" الحسن باللغة الإندونيسية، أطلقه عليها نادل مقهى (يحمل شهادة بكالوريوس في إدارة المكتبات)، وكنت حينها أتنقل بها مع الأصدقاء، وأنا أعمل عليها، هذا الوجه الذي كانت ملامحه تجسد تناقضًا مسرحيًا، ففي جانب منه تبدو قسمات الحزن والبؤس والشقاء، وعلى جانبه الآخر يبدو الرخاء والمسرة، اختاره الأصدقاء لأن يكون الرمز والشعار لجمعية سماورد.
س: بالنسبة لديك، أي الاتجاهات في النحت تتجه بوصلتك، استخدام الحجر، أو الخشب، أو المعادن؟
ج: أنا أميل للتعامل مع الأخشاب، وإن كنت أستطيع العمل على المواد الأخرى بنفس القدرة، لعمق معرفتي بخواصها وجمالياتها الطبيعية ولطواعيتها لي، وللإحساس الذي تبعثه فيٍّ بروائحها وجمال أليافها، لأني أكون مسكونًا بالتفكير، وأنا أعمل على كل قطعة خشب، بمراحل نمو شجرتها، بالنسغ الأول للماء في عروقها إلى نضوجها، وبالظلال التي أورفت على المارين تحتها، وغير ذلك، هنا تكمن المفارقة، فأنا ضد استغلال الطبيعة بشكل استهلاكي بحت، لذلك أصر على أن تكون أعمالي -كما أسلفت- من سقط متاع الأخشاب، وكثيرًا ما أجدها بين يدي مختزنة الفكرة التي أريد تجسيدها، لتقول لي هيت لك.
س: لكل إنسان ملهم، بدنياك، لمن تشير بكونه الملهم؟
ج: أنا لست ممن يؤمنون بفكرة الملهم الحصري أو الدائم، كالمريدين لشيخ الطريقة، وإلا لزم أدبيًا أن أرتدي عباءته، وفي نفس الوقت، من الطبيعي أن يكون لكل فترة "علمٌ" مميز يأخذني نحوه برهة من الزمن، حتى إذا تقدمت أودعته خزائن معرفتي وانتقلت لآخر. غير أنني أستطيع القول، إن ما أوصلني لما أنا عليه، هو أن كل ذلك نتيجة طبيعية لما جهدت على نفسي في تحصيله من معارف وتأملات، وجدت نفسي مهتمًا بها، وإن ما يمدني بطاقة الاستمرار، هو فقط ما أجده من السعادة على وجوه زوجتي وصغيراتي وأصدقائي بعد نهاية كل عمل.
س: اسم فنان يعتبر قدوة لك، محليًا وخارج الأسوار الجغرافية للوطن؟
ج: إن كنت تقصد نحاتًا، فليس لديَّ اسم مميز، لا محليًا ولا دوليًا، بل ولا أميل لمدرسة فنية محددة بعينها، خصوصًا وأنني لا أعتبر نفسي غير هاوٍ، استفدت من هوايتي لفن الرسم سابقًا، ورسم الوجوه والرسم الكاريكاتوري، وتمعني في هندسة وتشريح الوجه والجسد البشري، ودراستي لمختلف المدارس الفنية، وفي الرسم خاصة.
س: هل استفاد فن النحت من التقنيات الحديثة، بحيث تجاوز أساليبه التقليدية القديمة؟
ج: من الطبيعي أن يستفيد الفنان من التقنية الحديثة، ولا ضير في ذلك، إن كانت تعلي قيمة الفن، ولا علاقة للتقنية بالتجاوز، أو عدم التجاوز للتقليدية، ربما كرس الفنان بالتقنية الحديثة مفهومًا كلاسيكيًا باليًا، وربما العكس، التقنية ليس لها علاقة بروح العمل وحداثيته، لأن في نهاية المطاف، الإنسان هو مبدع التقنية، الذي يمكنه أن يطوعها نحو التقدم، أو التخلف. عن نفسي، لا أستخدم التقنية الآلية في أعمالي، وأحبذ العمل اليدوي البحت، وإن كان مجهدًا، فهو من لزوميات العشق.
س: أين تكمن الحداثة في فن النحت؟
ج: تكمن الحداثة في النحت، في الفن عادة، في تجاوز التقليد والتكرار والمألوف، والسوقية، بمعناها الثقافي والعام، وفي الجرأة على تخطي السائد، وكسر القيود الوهمية للضوابط العرفية وللتابوهات المعيقة، والسبر عميقًا في الحب والجمال والفكر البشري الحر، وتكون بالأساس في خلق الدهشة الإيجابية في المتلقي، الدهشة التي تثير الأسئلة قبل الاستمتاع والرضا، ليكون المتلقي مبدعًا بشكل آخر.
س: برأيك، لماذا لا نجد معارض فنية تهتم بفن النحت في محافظة القطيف؟
ج: هذا النوع من الفن ليس سهلًا، وممتنع بشكل ما، لظروف عدة، أولها أن المحظورات الثقافية المحلية والفهم الخاطئ للحدود الدينية، يحد من التجريب فيه أو ممارسته، علاوة على عدم توفر الخامات بصورة كبيرة، وهو مجهد جسديًا أحيانًا، ويأخذ وقتًا طويلًا، أيضًا هذا الفن يحتاج إلى الكثير من الفهم العميق، ليس فقط لفهم المادة المستخدمة خشبًا كانت، أم حجرًا، أم طينًا، بل لضرورة الإلمام بفنون أخرى رافدة له، كالرسم وعلم التشريح والتصوير، وهذا ما لم تتحه المعاهد أو المدارس بصورة جيدة، ولعدم تفرغ مبدعين بشكل جماعي لا فردي، لأخذ هذا الأمر على عاتقهم، ولأن معظم الفنانين يبحثون عن السهل والمنجز السريع، يفضلون الكم على حساب الكيف، لذلك نجد ندرة في إقامة المعارض لندرة الأعمال التي تستحق، هناك أمر آخر، وهو أن المعارض عادة وكما أرى، سطحية بشكل عام، والقائمين عليها غير مختصين في الفن بالمجمل، والهدف منها يكون إما ترفيهيًا، أو اقتصاديًا ترويجيًا، أو فقط لمجرد البروز، لا للتأسيس والتأثير الفني.
س: هل تفكر جديًا بعمل كتاب يتحدث عن فن النحت، أو يتناول تجربتكم الفنية؟
ج: لا أفكر حاليًا في ذلك، بل ولا أراه إلا هدفًا ماديًا لا أفكر فيه أبدًا، وهذا النوع من الفن يكتسب بالتجربة العملية، علاوة على أن حالة الكتاب والقراءة عامة في عالمنا العربي، وفي عصر الإنترنت، أصبحا في حالة يرثى لها، ما يهمني في هذا الوقت، هو أن أنقل كل ما أملك من قدرات في هذا الفن، وهذه التجربة بالعدوى والممارسة لكل من يجد لديه ميولًا وحبًا لهذا الفن، ومعملي مجهز لذلك، وقد نجحت، وإن على نطاق ضيق، فقد أصبح بعض إخوتي مهتمين بهذا الفن، كأخويَّ النحاتين حيدر ورضا، اللذان تمكنا من هذا الفن، وشاركا في الكثير من الفعاليات والمهرجانات المحلية والدولية، وحازا على الجوائز.
س: ما هي مشاريعك الفنية في المستقبل؟
ج: لا أفكر في شيء سوى أن أواصل العمل، لأسعد نفسي والدائرة الضيقة حولي.
س: موقف حزين وآخر سعيد، مر بك ولايزال في الذاكرة، ينبض؟
ج: موقف حزين!؟ ليس سوى الفقد، وفقد الأحبة، والأنكى حزنًا، أن تجد نفسك مضطرًا أن تخبر أمًا وابًا كبيرين، عطوفين، جالسين يعيدان شريط ذكرياتهما بكل فرح، وتخبرهما عن موت ابنهما الشاب والمفاجئ، لينقلب المشهد إلى مشهد فاجعي، ليس فيه سوى الدموع والحسرة، حدث ذلك يوم توفي أخي الشاب مصطفى.
موقف سعيد؟! قليلة، هي لحظات السعادة في هذا الزمن الرديء، لكن الفرح يتجدد كلما نظرت لسعادة أطفالي وأحفادي، هؤلاء الصغار اللذين لم تتسلل لهم الحياة ببؤسها بعد.
س: كم عدد الأعمال التي قمت بنحتها؟
ج: ليس مهمًا كثيرًا عدد الأعمال، بقدر ما تحمل الأعمال من معان قد تعبر عن شيء ما كان داخلي حينها، أردت الإفصاح عنه، وعن غير قصد وتروٍ، إذ أن معظم الأعمال تشكلت، هي هكذا بين يدي، وعادة من سقط متاع أخشاب الورشة، ونادرًا ما اخترت موضوعًا، أو قطعة خشب تسبق تجسيد العمل، بل العمل وحده يتجسد عفويًا، وبشكل طبيعي جدًا، ربما الأعمال تتجاوز العشرين بقليل.
س: كم عدد الجوائز التي حصلت عليها على الصعيد المحلي والدولي؟
ج: ولا جائزة واحدة، بل ولم أسع للحصول على أية جائزة، ولم أبادر، أو أتوسل المشاركة في أي معرض دولي أو محلي، رغم كثرة العروض. دوليًا -على سبيل المثال- عرض عليَّ المشاركة في سلطنة عمان ومملكة البحرين، في ورش النحت السنوية التي تقام هناك، ومحليًا لا أكترث كثيرًا للمعارض المقامة ولا للمهرجانات الترفيهية.
س: حدثنا عن جانبك الأدبي، أين بوصلته، وهل لديك إصدارات، أو دراسات أدبية؟
ج: بدأت قراءة الكتب منذ الصغر، وتدرجًا مع العمر -وقبل توجهي الحقيقي لشبه التخصص في مجال الشعر والنحت- تحديدًا حتى نهاية الدراسة الثانوية، بداية بالقصص المصورة للأطفال، ثم الروايات البوليسية، فالرومانسية والروايات العربية والكتب الدينية، وقصص بنت الهدى والكثير من الأدب العالمي والروايات المترجمة، تشارلز ديكنز، فيكتور هوجو، ترجمات مصطفى لطفي المنفلوطي، نجيب محفوظ، حنا مينا وغيرهم، بطريقة غير ممنهجة، تاركًا لنفسي حرية أن تقرأ ما تشاء، ولأنني لم أكن أملك وقتها نقودًا، يمكن أن أصرفها لشراء الكتب، فقد أتيحت لي فرصة أن أستعير بعضها من مكتبة أخي الأكبر السيد ماجد، ثم من مكتبة الأستاذ إبراهيم الحايك وعن طريق أخيه الصديق العزيز محمد الحايك -أبو إدريس-، الذي شرع لي الباب على مصراعيه لأختار ما أشاء منها. في نهاية الدراسة الثانوية وبعدها بقليل وجدت نفسي أميل لتذوق الشعر وكتابته، ومع توفر بعض النقود التي كنت أحصل عليها من رسم وكتابة الصحائف الجدارية لطلبة المدارس، بدأت أختار وبعناية الكتاب الذي أريد، وبدأت بتكوين مكتبتي الخاصة مما توفره المكتبات المحلية وصولًا إلى السفر أحيانًا لدمشق ومكتباتها العريقة، لأجد نفسي أمام الكتب والدواوين الشعرية الصادرة حديثًا، ساعدني حصولي على الوظيفة بعد ذلك في أن أبذل مالًا أكثر لشراء الكتب المتخصصة في المجالات التي اهتممت بها. كما أسلفت لم تكن القراءة معمقة وتحليلية، ولما فكرت في ذلك، أي القراءة المنهجية، على سبيل التثقيف الذاتي المتخصص، وجدت العمل منفردًا شيئًا صعبًا، أو نتائجه ربما لن تكون راسخة، حيث إن هذا النوع من القراءات يحتاج لأكثر من رأي ووجهة نظر، أو لنقل تحتاج مشاركة مع آخرين على سبيل التثاقف وبسط الآراء وتحليلها، ففكرت وبعض الأصدقاء في إنشاء تجمع، أو لقاء نناقش فيه بعض الكتب والآراء، فأوجدنا "ملتقى القديح الأدبي"، عام 1412 هجرية تقريبًا، واستمر لمدة عشر سنوات، وانضم إليه الكثير من المهتمين بالأدب والثقافة بشكل عام. كانت المهمة الأساس في هذا الملتقى، هي الخوض وبعمق في كل المجالات والفروع الأدبية التي لابد لأي مهتم بهذا الشأن أن يلم ولو بالنزر القليل منها، لتكوين الحصيلة والذخيرة المعرفية للانطلاق. فكان أن وضعنا لنا منهجًا وسرنا عليه بكل انضباط، منفتحين على كل التوجهات الأدبية، دراسة وتحليلًا، وأجزنا لأنفسنا النقد أيضًا في حدود الدائرة الصغيرة لهذا الملتقى، بدءًا بالشعر وأزمنته الجاهلية، والعصر الإسلامي الأول والأموي، والعباسي، وصولًا إلى عصر النهضة الشعرية، بل وتجاوزنا ذلك للخوض في الشعر الأجنبي المترجم، وفي الحداثة وما بعد الحداثة، ولم يفتنا أن ندرس بعض الظواهر الشعرية الخاصة ضمن هذا المسار، كشعراء الزهد والتصوف، وشعراء المهجر، كذلك في الأصناف الأخرى من الأدب، كالرواية والقصة القصيرة والمسرح وغيرها.
على المستوى الشخصي اتسع الأفق المعرفي لديَّ، ووجدت نفسي وقد تمكنت من علم العروض، أنظم الشعر وأشخص الخلل في الأوزان، بل وتمكنت من أن أجتاز كتابة الشعر العمودي إلى الكتابة بشعر التفعيلة والنثر أحيانًا وفي فترة قصيرة.
على هامش هذا الملتقى كنا نقيم المهرجانات الشعرية واللقاءات، وشارك بعضنا في المحافل الشعرية، وساجلنا بعض المنتديات الأخرى في المنطقة، وعقدنا لقاءات عدة مع شخصيات مهمة من شعراء وأساتذة جامعات، عارضين عليهم تجربتنا واستساغوها بكثير من التشجيع، أقمنا "مهرجان الشعر القطيفي الأول"، وضم عشرين شاعرًا من مختلف المناطق والقرى في القطيف ومن مختلف التوجهات وعلى مدى ليلتين، أصدرنا بعض الكتيبات الصغيرة ومن ضمنها كتيب صغير عن "الشاعر الشيخ علي الفرج"، بعد أن أجرينا معه حوارًا عن تجربته الشعرية، إبان عودته الأولى وكنت المحاور له.
وبعد أن نضجت التجربة واستطاع بعضنا، إن لم أقل كلنا، أن يجد لديه القدرة أن يستقل، أو أن يخط مساره منفردًا متسلحًا بالحصيلة المعرفية، رأينا أن نحل هذا الملتقى وبكل فخر وود، ولكن بقيت أنا وبعض الإخوة، كالأستاذ والمسرحي عباس الحايك والشاعر والمفكر خالد المحيميد والقاص والمثقف المتميز السيد يوسف الشرفا، يسكننا هاجس آخر، هاجس أن نخرج من إطار المناطقية الخاص بالقديح، وننطلق لأفق أوسع، فانبثقت فكرة تشكيل جمعية "سماورد- همزة وصل"، وكان لنا ذلك عام 2005 ميلادي، والتي كانت انطلاقتها الأولـى في القطيف، بإقامة اللقاء الخاص مع الشاعر الكبير البحريني قاسم حـداد، ومناقشة تجربته كلها، بمناسبة صدور كتابه آن ذاك "ورشة الأمل_ سيرة مدينة"، بحضور الدكتور والناقد إبراهيم غلوم، كضيف شرف.
على مسار آخر، نفذ المسرحي عباس الحايك باسم جمعية سماورد، دورات تدريبية في مجال المسرح للمهتمين بهذا المجال، كأول سالك في هذا الطريق -كما أعتقد- وعلى مستوى المنطقة كلها، وبدأت مسرحياته تمثل في الكثير من الدول العربية، وقد حصلنا على تغطية جيدة في الصحف والمجلات الوطنية. في لحظة ما، ولصعوبة العمل الميداني ولضيق الأفق المحلي عن أن يتحمل طموحنا الكبير بهذه التجربة الوليدة، وجدنا أفق الفضاء الافتراضي أرحب صدرًا وأوسع مدى، فأطلقنا موقع مجلة سماورد- العربية- فصلية- شبابية- ثقافية- حرة، وغير مؤدلجة، على الإنترنت عام 2010 ميلادي، بتمويل شخصي وبدون دعم أي هيئة أو مؤسسة، يرأس تحريرها الأستاذ عباس الحايك، ويشارك في التحرير شباب من مختلف المناطق ومن الجنسين، بالإضافة إلى محرريها المتطوعين من مختلف البلدان العربية، فوجئنا بانتشارها السريع وبتقبل طرحها في كل العالم العربي، وبانضمام الكثير من الكتاب للمشاركة فيها، من مختلف التخصصات، رغم كونها لا تعطي أجرًا على أي مقال. صدرت منها ثلاثة أعداد، وتوقفت عن الصدور عام 2011 ميلادي، بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا، ولكن سماورد وجمعيتها، وبعض نشاطاتها مازالت مستمرة.
في هذه الأيام أعكف وبعض المهتمين، على إنشاء ملتقى جديد، أوسع مجالًا من الملتقى -السابق- ربما يستطيع كسر الجمود الثقافي، ويعيد لعجلة الأدب والفنون الدوران بشكل يليق. أستطيع القول بعد هذه التجربة، ومن خلال مشواري الثقافي، بعد أن رأيت نفسي أكتب الشعر وأهرب للنحت، حين تضيق العبارة، إنني كونت مسارات شبه معرفية وتخصصية، ووجدت نفس أكثر ميولًا لها، منها -على سبيل المثال- قراءة وتذوق الشعر الإنساني، بعيدًا عن الشكل والأسلوب، منذ جلجامش إلى الوقت الحالي دون أي تقييد، دراسة تطور المجتمعات البشرية، والعربية بشكل دقيق، منذ ما قبل المدنية إلى الوقت الراهن، مرورًا بالنظريات المعرفية في المجتمعات الحديثة، (ابن خلدون، على الوردي قسطنطين زريق وغيرهم)، المرأة، وإشكالية المجتمع الذكوري، الفن بجانبه الفلسفي، ولكنني إلى الآن لم أصدر كتابًا، أو أنشر دراسة متخصصة في أي مجال.
س: ماذا يعني لك النقد الفني، وكيف تقيمه في منطقة القطيف، أمتواجد، أم ما زلنا ننتظره، يصعد العتبات، ليبرز للضوء؟
ج: النقد لأي عمل كان هو، أولًا وكما أرى، عمل إبداعي آخر، قراءة أخرى وأعمق تفضي لاستكشاف جماليات وعوالم (الظاهر والباطن)، إن جاز لنا استخدام المصطلح التفسيري، وذلك من خلال استنطاق الشعور واللاشعور للعمل ومبدع العمل، وبطريقة موضوعية مستقلة غير تعسفية، لذلك يقال أحيانًا إن الناقد، يقول ما لم يقله صاحب العمل، ومن المهم جدًا للناقد أن يكون، بالإضافة لامتلاكه أدوات وأسس النقد الصحيح، (وليس بالضرورة الأسس المعرفية الأكاديمية)، أن يكون مبدعًا بشكل آخر -كما أسلفت-، ليفتح للمتلقي آفاقًا معرفية جديدة، لم يكن يعرف السبيل إليها، كذلك أن -يلمح وبطريقة غير جزمية- لجوانب النقص والكمال، ليستفيد منها مبدع العمل، ليتفاداها، أو ليصر عليها. في المنطقة، وبصورة عامة، لا يرقى النقد لهذا المستوى، ربما لقصور في فهم النقد ونقص في الأدوات المعرفية، وهو عادة ينقسم لقسمين بسيطين "ومميتين" للعمل، والمبدع على حد سواء -بحسب رأيي- وهما؛ إما أن يضع الناقد "أناه" قبالة العمل، يفرض ذاته، ورأيه بطريقة غير موضوعية، ينتج عن ذلك إطراء ومدح، -ومن مدحك فقد ذبحك- ليجمل القبيح، ويحمل العمل ما لا يحتمل، وإما أن يكون نقدًا كيديًا، وتعريضًا وقدحًا، عن سبق إصرار وترصد، وكلاهما قاتلان.
ولك أن تتأمل الساحة العلمية والثقافية بتجرد، لترى هذا المسمى "نقد"، كأنه مسح للجوخ، أو إثارة مفرطة لنقاشات بيزنطية عقيمة، لخلق شروخ وخصومات بعيدة كل البعد عن هدف النقد الحقيقي، وهو الإثراء والصقل المعرفي والترقي. حين يرقى النقد للمستوى الذي ذكرته، وحين يبذل الناقد جهدًا أكبر بكثير من الجهد المبذول، لإنجاز العمل المراد نقده، ليتمكن من التعاطي معه بصورة صحيحة، يمكنني القول بأن هناك نقدًا حقيقيًا، موضوعيًا راقيًا، يمكن أن يساعد في رفع المستوى الثقافي العام في هذه المنطقة. يحضرني هنا، كتجربة نقدية فريدة، كتاب الدكتور إحسان عباس، في نقده لشعر بدر شاكر السياب، وكيف بذل جهدًا مضنيًا، ووقتًا طويلًا متقصيًا آثار الشاعر المكانية والزمانية والفكرية، ليخوض في تجربة الشاعر، ويقدم عملًا نقديًا مؤسسًا، فريدًا، لشاعر مؤسس فريد.
س: كلمة أخيرة لك، ما هي ولمن توجهها؟
ج: كلمتي الأخيرة أوجهها لكل مسكون بالثقافة عامة: هذا الوطن، بكل تفاصيله، أهله وترابه، فكره وتاريخه، ثقافته وفولكلوره، حزنه وفرحه، زاخر بالقيم الحضارية الجميلة (والدفينة المنسية)، يستحق منا بذل كل جهد، لنبرز وجهه المضيء بين الأمم، بكل حب وإخلاص، بعيدًا عن الفئوية بكل أشكالها، لنسلمه لأبنائنا كي يعيدوا الثقة بأنفسهم، ليرسموا غدهم الجديد المشرق، كما يشاؤون، شرط ألا نجعل أنفسنا وصاة -متحجرين- عليهم، بل لنسلمهم الراية، كي يعلوا بدورهم شأننا وشأن هذا الوطن.







