13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

يسُوع النَّاصِريّ

وأُقلِّبُ نظري في السماء لا أدري إلى أي ٍمنها قد رُفعت، ولكني كلما دخلتُ إلى أحد الأديرة تأملتُ ما يملأ جدرانها من خيالات صورك أنت وأمك المقدَّسة بحجابها، فيزهر بحجابي بساتين من العفاف السماوي، ويغشاني ما يغشى الإنسان حين يكون في حضرة الأولياء، وتعوم روحي فيما تعوم الأرواح في هالات نورهم، على الرغم من تلك الشمس التي تبدو خلفيكما، وأصابع التثليث ورسائل الغفران الباكية على دموع الشمع المنصهر، والتي نحت بشريعتك منحىً غير الذي نألف من التأليه في رسالات السماء، لكنها حروب الإنسان على السلطة يومًا، وحروب النفس مع الهوى يومًا، وحروب الروح مع العبادة يومًا، ألقت بأثرها مجتمعةً وخطت لها بين حروفك خطًا في كتابك المقدس.

يا يسوع الناصري على الرغم من كل مالم تألفه شريعتك الأولى التي جئت بها وصار بين إنجيلك وقرآننا بونًا شاسعًا، يبقى السلام والتسامح أولى السنحات التي تجلت على جبينك في مهدك فاكتست بها جبين كل مريديك، بعيدًا عن الشمس والتثليث والأحد والأجراس والنواقيس لك المجد والعز في أمة محمد، ولا نزال نتطلع لذلك اليوم الذي تصلي فيه خلف نبينا تمامًا كما تطلع حواريك ليوم ولادة محمد.

في مثل هذا اليوم قبل ألفين ونيف من السنوات قيل إنك ولدتَ، غير أني لا أملك إلا أن أكتب عن مباركتك للكون في يومٍ بارد من أيام سنتي، في حينٍ أني قرأتُ في القرآن أن أمك العذراء قد هزت النخلة في ساعة المخاض فتساقط عليها رطبًا جنيًا وما سمعتُ عن رطب يجنى في الشتاء، وقرأتُ فيما قرأت عن ولادتك في نسخٍ من الإنجيل أنه في يوم ولادتك كان هناك رعاة يرعون أغنامهم في الحقل، فكيف يكون ذلك في أحد أيام الشتاء، أما الصورة التي هوت بقلبي في جمال رسمها وما نحتته أيدي محبيك، ولو أني كنت أعرف للطهر مادةً تُلمَس أو صورةً تُبصَر ما كنت عرفتها إلا فيما رأيت في تلك الرسوم والصور، لم تهدأ نفسي من أن تراودني حتى اقتنيتها في إحدى زوايا منزلي، والتي كانت من خلفها الشمس بازغةً ولم يخبرنا عنها قرآننا.

لكني سمعتُ عنها في الأثر قصةً، أنه حين أراد ملك الروم الانتصار آثر أن يؤلف بين الوثنيين والمسيحيين في جيش واحد ولم يكن له على ذلك سبيل لشدة العداوة بينهم، إلا أن يختلق حلمًا فيرويه للشعب، فصحا ذات صباح واستجمع الحاشية وراح يروي حلمًا زائفًا فقال أنه في ليلته نام في معبده وهو يتلو على إله الشمس دعاء للنصر فلما غفا على حالته هذه رأى وجه المسيح ومن خلفه إله الشمس (سول) وقد أشار إلى المسيح وقال: "به ستنتصر"، فسقط ذلك الحلم في قلوب المسيحيين ما يسقط من الماء العذب على الأرض الجرداء، وقام القوم واتحدوا وانتصر ملك الروم، ومذ ذاك اليوم و الشمس ملتصقة في ظهريكما، وإني لا أملك لنفسي من هوى طهرك غير هذه الصور على علمٍ مني بأساطيرها واختلاقها، وإني كلما جبتُ الأرض وقفتُ على عتبات الكنائس كما يقفُ المتأمل في آثار خلق الله، بعيدةً عن الأسوار التي ضربها الإنسان في أرض المعتقدات، فأتلمس تآلفًا سماويًا يتجلى في وحدة الرسالات الإلهية، تآلف أشبه ما يكون في خطاب القرآن للإنسان في محبته وسلامه التي دثرها بحكايات الرسل منذ بدء الخليقة حتى آخر رسالة.

وإني كلما رأيت لك جسدًا صليبًا يومئ بالضعف معلقًا تسيل من جراحاته الدماء، تذكرتُ جراحات قومك لك حين أرادوا لك البغض والكراهية، وأنت تسيح في البلاد تبريء الأكمه والأبرص وتشفي المرضى، ولم تكن على تلك الصورة من الضعف بل كنت قويًا تهيم بوجه الحكمة وتودعها حواريك في ربوع أورشليم والجليل وبيت لحم وحيفا والناصرة تلك الأسماء والمدن التي تطهرت جنباتها بخطى نعليك وتعلق اسمها بذكرى تجليك، وما بغض الجبابرة منك إلا تمازج طينتك بالسلام والطمأنينة والمحبة لكنهم ما قتلوك وما صلبوك حين أرادوا لك ذلك وأراد الله لك العلو، فما زلت في سمائك، وليت شعري لو نزلت تفرش مائدة العشاء الأخير مع حواريك، فيطيب لك العيش ساعةً على الأرض وتهنأ لك الرسالة والسلام.

بك وبأمك القديسة أفتتح عامًا جديدًا من عمري وإن كانت المواقيت على غير الأثر، فإني أحفل بذلك اليوم كما يريد لي قلمي وكما علمني القرآن من خبرك وقدسيتك، كل عام والعالم يحتضن كل الرسالات السماوية بسلام، وتسامح فسلام لك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيًا.

"عندما تكلم يسوع صمت العالم كله ليصغي، إن كلماته لم تكن لآذاننا بل بالأحرى للعناصر التي صنع الله منها هذه الأرض، فقد خاطب البحر، وخاطب الجبل، وخاطب الملائكة الذين وراء البحر والجبل، الذين استودعناهم أحلامنا قبل أن يجف الطين الذي فينا في أشعة الشمس، ولا يزال خطابه هاجعًا في صدرنا كأغنية الحب نصف المنسية، وفي بعض المرات يخترق طريقه إلى ذاكرتنا، كان خطابه بسيطًا فرحًا، وكانت رنة صوته كالماء العذب في أرضٍ ناشفة"، جبران خليل جبران.


error: المحتوي محمي