أنا إنسانٌ يشدني بعنفٍ ما يسكن بين ضلوعي أكثرَ وأَحدَّ من الذي يسكن طاسةَ رأسي. صراعٌ بين القلبِ والعقلِ يتجاذبُ أشرعةَ سفينتي في بحارِ الحبِّ والكرهِ، والمنطقِ أو لا منطق، وبينَ الجمعِ وبين المفرد، ويغلب ما بين الضلوع!
في بيتنا الكبير كانت دعوة الأكلِ تسمعها مرةً واحدةً وفي الثانيةِ تظهر يدُ الجماعةِ والفريق الواحد، وإذا لم تحضر لا يبقى لك شيء. كانت لي ألعابًا قليلةً ومتى ما أراد أخي نهبها ضممتها إلى صدري حتى تأتي صفعةُ أمي وتخلصها من بين يدي. كان مثل الكبار "إذا سلمت أنا وناقتي فلا يهمني ما يحصل لرفاقتي" وقمة العمل الجماعي كانت في "إذا لم يكن الجلد جلدكَ فلا بأسَ إن تجرهُ فوق الأشواك".
قرأتُ في الأدبِ العربي نصائح مثل "إذا لم تكن ذئبًا أكلتكَ الذئاب" وتعلمت في أصولِ العملِ والحياة أن كُلَّ فكرةٍ ليس فيها شيء لي يجب عليَّ رميها في المزابلِ وأول سؤالٍ في كل فكرةِ عملٍ بيني وبين الناسِ هو: ماذا لي أنا فيها؟
كان في صغري مشاهد من البؤساءِ والبؤسِ ما يملأ كتبًا: في الصباحِ يطوف رجلٌ يحمل قفصًا صغيرًا ويصيح: من يبيع البيضَ ومن يبيع الدجاج؟ سويعات ويأتي آخر ينادي: من يبيع أواني الصفر من يبيع أواني النحاس وبعدهم يأتي العجوزُ على حمارٍ في قدميه الحافيتينِ تتدليانِ من فوقِ العربة وعمامة الرأسِ البيضاءَ التي لوحتها الشمسُ فصارت صفراءَ يصيح: من يشتري الفجلَ؟ من يشتري البقلَ؟ وعندما يأتي بردُ الشتاءِ تشتري الناسُ الملابسَ والأحذيةَ القديمةَ التي ذهبت نضارتها ونضاها أهلها، مشاهدَ لو رآها الجاحظ كتبها ولو رآها "فكتور هوجو" ما نسي أن يجعلها هي البؤساء.
مضى ذلك الزمانُ وصار الإنسانُ أكثرَ مالًا وأشدَّ جدلًا، المال ديمةٌ والبيتُ واسعٌ والأكل تتسع له المزابلُ لكن بقي الإنسانُ يريد أن يملكَ كلَّ شيء إلا الشارعَ والوطن وما يجب عليه أن يملكه، ونسي أن يضع يدهُ في يدِ الإنسانِ الذي عليه أن يعيش معه في البيتِ والمدرسةِ والشارعِ والوطن، وفي العالمِ كله! كيف يغرق القارب وينجو الإنسان؟ مسألةً تستدعي أن ينظر فيها الحكماءُ والعلماء!
يمكننا أن نقف على تلةٍ ونرمي سهمًا هنا وسهمًا هناك وهذا هو "الأنا"، أو نعطي كل ما نملك ونذوب في حب الغيرِ والعملَ النبيل والناسُ سواسية مثل أسنان المشط، ولن نستطيع إلا إذا كنا من الأنبياءِ والأولياء، ويمكننا أن ننفي صفةَ البشرِ عن أنفسنا ونحرمَ الغيرَ من كل أشيائه ونعمل في كاملِ طاقةِ أنانيتنا وهنا يقول الشيطان: مرحى أيها الأوغاد، أنتم أعضاء في فريقي! وبين كل الأبعاد مقاماتٌ نختار الوقوف فيها.
اليوم يعود أبناؤكم إلى مدارسهم، قولوا لهم: إن من عاشَ كل الأزمنة يقول لهم: إذا أردتم النجاحَ في المدارس اعملوا بمفردكم، وإن أردتم النجاحِ في الحياة كلها اعملوا في جماعة، وإن لم تستطيعوا أن تهدوا من لا يبصر الطريقَ فلا تضعوا له الشوك فيه.



