وأنا أعتني بالنخلِ الصغيرِ في حديقتي، طافَ بي منظرُ النخلةِ الطويلة عندما كنتُ صغيرًا، حين كنا نعيش بين النخيل. نخلة واحدة كانت تسابقني في الطول، وعندما وصلَ طولي مترًا أمست أطولَ مني واستطالت بعيدًا نحو السماءِ، رأيتها أطولَ وأجملَ من كُلِّ النخيل، وأرفع من كُلِّ البيوتِ القديمة، أمدُّ رقبتي الصغيرةَ لا أرى إلا خصرها المنحوت في جذعها الطويل الذي لم أعد استطيع أن أحيطه بذراعيَّ الصغيرتين. أعانقها في الصباحِ وكأني أسمع باقي النخيلِ تناديني: اقترب واحضنّا أيها الفتى، ليسَ الجمال كله في نخلةٍ واحدة، كلنا فاتنات!
في صبانا نرى كُلَّ شيءٍ أكبرَ منا إذًا فهو كبير، الأحلامُ والأستاذ، وأبانا وأخانَا الكبير والبيوتات، وفي شبابنا يصب الجمالُ والعشقُ كله في بوتقةٍ واحدة، في امرأةٍ واحدة، في مدينةٍ واحدة، وفي أكلةٍ واحدة، ننامُ في ذكراها ونصحو في ذكراها، وكأنَّ كُلَّ البواتقِ ذابت فيها! وعندما نظن أننا تأنسنا، وقربنا من الكمالِ نعود كالعرجونِ القديم، فجأةً يرانا كُلُّ شيءٍ وكل شخصٍ أكبرَ منه، ولكن يعزينا أن نعودَ نرى كلَّ نخلةٍ طويلةً وجميلة.
من الحكمةِ أن نستبقي في ذواتنا خليطًا من ذاكَ الصغير وذاكَ الشاب وذاك الشيخ دونَ أن ندفنَ أيًا منها. ولا يكفي أن تعطشَ ذاكرتنا في صحراءِ الماضي بحثًا عن مشهدٍ هنا أو هناك دونَ أن نحيا مشاهدَ جديدة تبقى أطولَ من عمرِ النخلةِ التي عندما:
زرتـها أمـس احتـضـنـتـنـيْ
واستطالت علـى كُلِّ النخـيلْ
ونادتْ: مرحى! أيها النخيلاتْ
هذا بعلي جاءَ شيخــًا كـبيـر



