12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

رسالتي إلى الحمام

بعد أن صارَ عمري أكثرَ من نصفِ قرنٍ بدأت أعراضُ الإنسانيةِ تظهر في أفكاري ومشاعري وأفعالي. أشتري الخبزَ لكم أيها الطيور وأفتها بيديَّ كل صباحٍ ومساء، وأنتم تأتونَ دون إذنٍ مني تأكلون ثم ترحلون.

انا أعلم أنكم تقولونَ في لغتكم: انظر لذاكَ الإنسان الغبي الذي يعتقد أننا نأتيه لنجلبَ له السعادةَ في زقزقتنَا ورفرفة أجنحتنا، ونحن نأتيه ليس إلا من أجلِ الماء والغذاء، ولكن لابد لكم أن تتذكروا أنني من صنفِ البشر، وأخاف أن تروا الجانبَ البشري يومًا ما، ألا تتذكرونَ كيف اصطاد أسلافي آباءكم وأمهاتكم؟

سوف أختبئ لكم خلفَ شجرِ النخيل أنسجُ الشباكَ المحكمة، التي لن تؤلمكم عندما تعلقون في حبالها وقبل أن تطيروا نحوها أنا أعلمكم أنها ليست إلا مسألةَ قضاءٍ وقدر. لكم أن تعترضوا، وأنا سوف أعتبرها قضيةً لا تتعدى وجهة نظر. أنا رجلٌ مؤمن وعندما اصطادُ أحدكم أيها الأغبياء سوف أقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ﴾، ومن يفرَّ من شباكي أيها الأشقياء، اقرأ له ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. وبعد كل هذا:
يظل يأتـينـي الحمـام
ويظل يدعوني للسلام
وللمحبًـةِ والـوئـام
وأظل العنهُ وأرهبهُ
بصوتِ بنادقي لكنهُ
يأبى الرحيلَ ويأتي
صوبنا في كُلِّ عـام

تضغط السنون ذراتَ عنصر الكربون في أعماقِ أرواحنا وتقول لنا: لكم الخيار إما أصيركم إلى ألماسٍ، صلبًا شديدَ النقاء وغالي الثمن أو إلى رمادٍ متراكم من الفحمِ ليس فيه سوى السواد والنار. لا، ليسَ للفحم، تعالوا أيها الحمام واسمعوني أغني:
أقولُ وقد ناحت بقربي حمامةٌ
أيا جارتا هل تشعـرينَ بحالي
معاذَ الهوى ما ذقتِ طارقةَ النوى
ولا خطرتْ منك الهمومُ ببـالِ
أتحمل محزونَ الفؤاد قـوادمٌ
على غصنِ نائي المسافةِ عالِ
أيا جارتا ما أنصفَ الدهرُ بيننا
تعالي أقاسمكِ الهمومَ تعالي
تعالي تري روحاً لدي ضعيفةً
تردد في جسـمٍ يعـذب بالـي
أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقـةٌ
ويسكت محزونٌ ويندبَ سـالِ
لقد كنتُ أولى منكِ بالدمعِ مقلةً
ولكن دمعي في الحـوادثِ غـالِ

غدًا عامٌ جديد لك أيها الحمام، تعالَ فسوف أزين المروجَ وأشعل الشموع، وأشتري الخبز، تعالَ وإن جئتَ بالسلامِ للعالمِ كله فسوف أصوم عن صيدكم!


error: المحتوي محمي