12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سبعة أرواح

لا تملك القططُ إلا روحًا واحدة، ولا يسكن في رؤوسها الصغيرة إلا هم كيف تحمي تلك الروح في مملكةِ البشر. لكننا نحن الذين نملك الكثيرَ من الأرواحِ التي تسكن أجسادنا، فيها تعتاد النفوسُ حب وكره أشياءَ وفيها تعتاد الأجسادُ حب أشياء وبغضَ أخرى "تعشّقتها شمطاءَ شابَ وليدها... وللنّاس فيما يعشقونَ مذاهب"، أرواح تستظل وتختبئ تحتَ عناوينَ مختلفة، ربما هي أرواحُ المهرب لمن يبتغيها، هذا يكتب وهذا يرسم وهذا ينقش وكلها تعابير روحيةٌ لا يستطيع من يفعلها أن يشاركها الناسَ غضةً كما هي فيخلقْ لها صورةً من الكلماتِ أو صورةً من الرسومِ والنقوش ويقول: هذا يشبه ما احتبسَ في قفصِ صدري! لو كتبتُ أو رسمتُ كل ما في طاسةِ رأسي لم يختلف جزائي عن سنمار بين الناس:

في ذاكرةِ الأدبِ العربي أن النعمان، ملك الحيرة، أحبَّ أن يبني قصرًا ليس كمثله قصر ووقع اختياره على سنمار لتصميم وبناء هذا القصر، استغرقَ سنمار في بناءِ هذا القصر عدة سنوات، ثم انتهى من بنائه وأطلقوا عليه اسمَ "الخورنق"، وكان القصرُ في غايةِ البهاء. طاف النعمانُ في القصرِ وحين انتهى أمر رجاله بإلقاءِ سنمار من أعلى القصر فسقط سنمارُ ومات. قيل إن سنمار قال للنعمان "أما والله لو شئتُ حين بنيته جعلته يدور مع الشمسِ حيث دارت". فسأله النعمان: إنك لتحسن أن تبني أجمل من هذا؟ ثم أمر برميه من أعلى القصر ويقال إن سنمار قال له: "إني أعرفُ موضع آجرةٍ لو زالت انتقض القصرُ من أساسه"! فقال له النعمان: أيعرفهَا أحدٌ غيرك؟ قال: لا. قال: لأدعنها وما يعرفها أحد فأمر به فقُذفَ به من أعلى القصرِ فمات، ومن يومها سارَ المثلُ في الناسِ "جزاء سنمار".

أو هي روح الأنا في كُلِّ شيء، التي تدفع الناس ليفعلوا ما يفعلوا، يرمي الكاتبُ والشاعرُ شباكَ الصيدِ للكلماتِ والخيال ومتى ما اصطادَ شيئًا منها قال: هذا لي، فلا الأعمى أبصرَ كلماتِ أبو الطيب المتنبي، ولا الأصم سمعها، لكنه يبتهج بها قبل غيره ويقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ

ثم روح حب الحياةِ الذي يستحكم فينا البشر بطرائقَ مختلفة، نرفع أصواتنا كُلَّ يومٍ مثل من يمشي بين المقابرِ في العتمة، نكتب ونرسم ونفكر ونعادي ونحب، كل هذا حتى حين يطوف بنا ملكُ الموتِ يقول: هم أحياء، ولا أجد أسماءهم بين الأموات. نتألم حين نذكر أننا لا نبقى للأبدِ في الدنيا، ونتسول الخلود في كل شيء، في الأبناء، وفي البناء وفيما نقول ونكتب. تبقى كل الآثارِ بعد اختفاءِ العين برهةً ولكن يبقى للأبدِ ذاك الذي يحمل مجد العلم، ينبعث النورُ في عينيهِ ويخرج في الشارعِ فرحًا يجري وينط فوقَ السطوحِ في الظلام، ويصيح وجدتها وجدتها، لم يجد الهراءَ والكلماتِ الفارغة، إنما وجد العلم.

أظن أننا خليطٌ من الأرواحِ بعدد عناصرنا في ذاتٍ واحدة، فيها الكاتب والراسم والعالم والخطيب والمفكر وغيرهم والكثير منا فيها الشرير، أرواحٌ تضعف وأرواحٌ تقوى في جسدٍ واحد. إليكَ أيها الإنسان أن تستدعي الكلمات وتلبسها ما شئتَ من البهاء، كل الحللِ سوف تصبح أطمارًا بعد حين، ولك وأن تستدعي باقي الأرواح فيكَ ولكن دع الروحَ الشريرة، لا تنبشها!


error: المحتوي محمي