ألا تلحظ أنه عندما ترتخي جفونُ الناعسينَ بعد منتصفِ الليل تستيقظ شياطينُ الأخبارِ المؤلمة، تحمل أسماءَ من ماتَ ومن مرض، لكن أيضًا تأتي الملائكة بالأخبار السارة، فيه يولد الكثيرُ ويعودُ المسافر وتستيقظ كل الدنيا من نومها. في كل هذه الأخبار تبقى نغمةُ صوتِ الحزن أعلى وأحدَّ من نغمة الغبطة والسرور.
استيقظت فجرَ اليومِ على اتصالٍ من صديقي في الساعةِ الرابعة أن صبياً اصطدم في مركبتي الواقفة أمام منزلي. لن يكون سوى خبر عادي لولا أنه كان شتاءً وبُعيدَ الساعة الثالثة فجرًا حيثُ استيقظ الكثيرُ من الجيران على صوت الحادث. في لطفِ الله أن جروحًا بسيطةً أصابت الصبي ولم يمت. أسأل نفسي ماذا لو ماتَ الصبي وأَحَدٌ ما عليه أن يخبر أمه أنَّ قلبها توقف عن النبضِ وعقلها مات عن التفكير وهي لا تعلم؟ هل يدرك الصبي أي صرخة ألمٍ سوف تطلقها أمه وأبوه؟
عاد الصبي من المستشفى سريعًا ومعه سبعةٌ من الصبيانِ كلهم قبل العشرين من العمر أو بعدها قليلًا، يدخنون وكأن شيئًا لم يكن! قلت لهم: هل كانت الرحلة تستحق خسارةَ المركبة والتعب الذي جاءَ مع الحادث وربما الموت؟ جدلٌ عقيم مع صبيانٍ يظنونَ أن كل ما يجري لهم من شرورٍ جلبها القضاءُ والقدر ولا يستطيعون الفرارَ منها! أنا لا أصدق ما تراه عيني أو تسمعه أذني عن شبابٍ يحتفلونَ في نهاية المدرسة ويتحدونَ الموتَ في كُلِّ شيء، يقولونَ لملك الموتِ أين أنت، نحن هنا؟
لقد تعودنا على الاعتقاد أن ليس بمقدورنا التنحي عن الخير والشر "أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ"، هل ترون أني أو أنتم نستطيع أن نموتَ ولكن لا نستطيع أن نحيا؟ وفي كل ما نعمل يعلم الله ما سوف نختار وفرقٌ بين علم الله بما نفعل وإجبارنا عليه. أيها الصبيان: أنا وأنتم نرتعش في عواصفِ الحياة، ويمكننَا النجاة منها إذا ابتعدنا عن عينها، وفي كل الأحوال ابتهجوا في الحياةِ ولا تستدعوا حفارَ القبور، في كل بيتٍ أمٌّ تنتظر ولدها وزوجها يعود وتموت إذا ماتوا، لا يجب أن يموتَ شابٌ عبثًا ودونَ هدف.



