في ضوء رؤية المملكة لإضافة 9.5 جيجاوات من الطاقة المتجددة إلى الإنتاج المحلي بحلول عام 2023م، يتساءل الكثير عن جدواها الاقتصادية في بلادنا، هذا في ظل وجود المصادر التقليدية للطاقة (وقود الغاز يعتبر المصدر الرئيس للطاقة في المملكة) الأقل تكلفة من المتجددة. هذه المقالة تسلط الضوء على فرص الطاقة المتجددة في المملكة، وتضع توصيات للجهات الرسمية، و للقطاع الخاص، والمواطن.
الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنتها المملكة العربية السعودية مؤخرًا، جعلت الطاقة الشمسية والرياح المتجددتين مجديتين، لهذا اليوم أكبر معمل طاقة شمسية في المملكة لا يتجاوز 10.5 ميجاوات في مدينة الظهران و٢.٧ ميجاوات لطاقة الرياح في طريف والرياض. فرص الطاقة المتجددة كثيرة تتطلب العمل الدؤوب من جميع قطاعات البلد.
الجهات التشريعية والتنفيذية الرسمية بدأت مؤخرًا بتنفيذ أهداف الطاقة المتجددة في رؤية 203، ابتداءً بإطلاق تشريعات جديدة (تنظيم الطاقة الشمسية الكهروضوئية الصغيرة)، والبدء بطرح مشاريع لمنتجين مستقلين للطاقة -كما هو موصى في مقالة سابقة للكاتب [1].
المشروع الأول محطة الطاقة الشمسية في سكاكا بقدرة 300 ميجاواط، والذي فازت به شركة أكوابور السعودية، والمشروع الثاني مشروع لطاقة الرياح في دومة الجندل بمنطقة الجوف بقدرة 400 ميجاوات لايزال تحت تقييم المناقصين.
عُرفت المملكة بكونها المُصدِّر الأكبر للطاقة التقليدية (الأحفورية)، ولها القابلية أكبر من غيرها أن تكون مُصدِّرة للطاقة المتجددة، وذلك للتالي:
1- أكثر المناطق عرضة لأشعة الشمس بدرجات عالية مركزة ولفترة أطول (لموقعها على الحزام الشمسي)، ما يعني أن خلايا الطاقة الشمسية تعطي إنتاجية أكبر (تصل إلى الضعف) في المملكة منه في دول أخرى، كأوروبا على سبيل المثال.
2- المساحة الشاسعة (2.15 مليون كم2) بحيث لو تعرضت منطقة لنقص في أشعة الشمس بسبب سحاب أو غبار أو غيرهما، لن يؤثر على استمرارية مجمل الإنتاج من مناطق أخرى.
3- الأراضي البيضاء الشاسعة غير المستخدمة، إذ يمكن استغلال بعضها كبنى تحتية للطاقة الشمسية.
4- وفرة المواد الأولية لصناعة ألواح الطاقة الشمسية (السيليكون).
الخطأ الأكبر في تفكيرنا هو اعتقاد أن تنصيب توربين هوائي فوق حقل الغوار أو خلايا شمسية أعلى معامل أبقيق يشكل خطرًا على صناعة النفط، إذا رآه العالم ظنوا أن النفط بدأ ينفد من المملكة، وهذا الهاجس قد يكون منطقيًا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ولكن ليس اليوم، في ظل انتشار المعرفة ووفرة المعلومات حول احتياطي الهايدروكربون (نفط وغاز)، واقتصاديات الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة، أصبح لا مجال لمثل هذه الاعتقادات، إضافةً إلى ذلك هناك أماكن أخرى يمكن إنشاء معامل الطاقة المتجددة عليها بعيدًا عن مناطق صناعة النفط.
تتمثل فرص الطاقة المتجددة للمملكة في استبدال الوقود ذي القيمة العالية (ديزل والنفط الخام واللذان لايزالا يستخدمان بكميات ضئيلة) بوقود أقل قيمة، في هذه الحالة يفضل الأخذ بعين الاعتبار الطاقة المتجددة.
الفرصة الأخرى تكمن في تغذية الأحمال الصغيرة والبعيدة عن الشبكة بخلايا شمسية (مثلًا المستخدمة في إنارة الطرقات، الكاميرات، أبراج الاتصالات، الحماية الكاثودية للأنابيب، المناطق الحدودية، النقاط الأمنية وغيرها). كثرة المناطق النائية مترامية الأطراف في مناطق مختلفة بحاجة إلى مصدر مستدام للطاقة، وجود الطاقة المتجددة أكثر جدوى من تنصيب مولدات صغيرة لتغذية هذا النوع من الأحمال.
اعتبرت المملكة مؤخرًا الطاقة المتجددة جزءًا من خطتها الاستراتيجية، حيث حُددت الأماكن المناسبة لإنشاء معامل للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بعض الأراضي جرى حيازتها لأجل ذلك، حاليًا تعمل المملكة جاهدةً على توسيع الخطة و العمل على تنفيذها. المملكة بحاجة إلى الأخذ بالاعتبار التوصيات التالية:
1- وضع محفزات للأفراد والشركات من دعم حكومي واعتماد نظام اقتصادي وضريبي لصالح الطاقة الخضراء (المتجددة).
2- جعل الطاقة الشمسية إلزامية للمباني والمنشآت الحكومية والأماكن العامة لتكون مثالًا يحتذى به.
3- النظر إلى الطاقة الشمسية بنظرة استراتيجية من تهيئة البنى التحتية للطاقة المتجددة (فيما يتعدى الـ 9.5 جيجاوات) من مسح مناطق وتخصيص أراضٍ موزعة على أنحاء مختلفة في المملكة والأخذ بها في عين الاعتبار في خطة المملكة لتطوير البنية التحتية من شوارع ومحطات مياه وكهرباء ونحوه.
4- نشر الوعي في المجتمع لأهمية الطاقة الخضراء من تضمينها في المقررات الدراسية وتدشين حملات توعوية... إلخ.
5- تطوير معايير ومواصفات الجودة لاستيراد وتصنيع وتركيب الألواح الشمسية.
بما أن هناك فرصًا كثيرة للمملكة لتنصيب ألواح شمسية، فمن الأجدى أن تكون صناعة هذه الألواح محليًا نظرًا لتوفر المواد الخام، وسهولة التقنية، وكثرة الموارد البشرية، ووجود الطلب داخليًا وخارجيًا. إنشاء محلات منافسة لصناعة وتصميم وتركيب الألواح الشمسية يعتبر فرصة استثمارية كبيرة للقطاع الخاص.
تكمن الفرص المجدية اقتصاديًا للمواطن (والذي يعتبر الحلقة المستهدفة أولًا وأخيرًا من مشاريع الطاقة المتجددة) بتقليل الكهرباء المستوردة من الشبكة الكهربائية إذا كان في الشريحة الاستهلاكية الأعلى (أكثر من 6000 ك. و. س/ شهر). هذه الفرص مجدية للتعرفة السكنية والتجارية والصناعية في حال كون التكلفة الكلية أقل من 3-5 ريالات/وات لوحي. هذا يتم عن طريق وضع الألواح الشمسية في المناطق غير المستخدمة أو القابلة للاستخدام، مثلًا فوق سطح المبنى. تهيئة المباني والمنشآت الجديدة للألواح الشمسية أمر ضروري بحكم نزول أسعارها مستقبلًا لتصبح أكثر جدوى.
فرص الطاقة المتجددة الحالية في المملكة كثيرة وفي تزايد بحكم الارتفاع المضطرد في أسعار الطاقة والنزول الحاد في تكلفة تنصيب الألواح الشمسية. تضافر الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمستهلك يضاعف الاستفادة من الموارد الطبيعية للطاقة. الطاقة الشمسية في المصدر الواعد اللامنتهي لإمداد العالم بالطاقة في المستقبل القريب.



