دخلت الشاشةُ الفضية إلى منازلِ الكثير من الناس في جزيرة تاروت متأخرةً، فكان لزامًا لصبيٍ يافعٍ، في أواخرِ الستيناتِ وأوائلِ السبعينات، أن يقضي وقتًا في بيوتِ الجيران أو يتلصَصَ على الشاشاتِ في مقاهي البلد التي تأتي بلوني الأبيضِ والأسودِ في قنواتٍ قليلة، يتعب من يطمح في رؤيتها صافيةً في ضبطِ الصورةِ في الجو المتقلب، قبل أن تأتيَ في بقيةِ الألوان. كنتُ أسترقُ المناظرَ والمشاهدَ من بعيدٍ فعينُ الصغيرِ ترى ما لا تراهُ عينُ الكبير، الآن انفتحت الشاشةُ على ما لا عَدَّ لهُ من المناظر!
بُعَيْدَ صلاةِ المغرب كانت تظهر امرأةٌ مصرية، على عينيها نظارة سوداء، في أذنيها قرطانِ طويلانِ وفي يدها منديل، عليها ثوبٌ طويل زهري وعلى شعرها الغليظ لفافةٌ سوداء. كان صوتُ المرأةِ يأتي مثلَ الموجِ الرقيق:
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ
أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ
ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ!
يعشق القلبُ قبلَ العينِ أحيانًا، فكان يلف قلوبَ الحاضرينَ الطربُ وقبل أن ينتهي بيتُ الشعرِ يمطون كلمتي الصبرُ والسرُّ وكأن الكلمتين تقول للحاضرينَ اصبروا على طولِ أغنيتي ففيها من الحبِّ العذري والأسرِ والألمْ، أسرارًا غزلها ابو فراس في الغربةِ والمنفى. وفي ليلةٍ أخرى يأتي شابٌ عراقي في ربطةِ عنقٍ سوداء وشعرٍ أسود، يتكسر صوته مثل الزجاجِ الغض، يغنى:
قل للمليحةِ في الخمارِ الأسودِ
ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبدِ؟
قد كانَ شمر للصلاةِ ثيابهُ
حتى قعدتِ له ببابِ المسجدِ
في ريعانِ الصبا، تتمنى أن بعضَ الآثامِ تطول، وإلا فكيفَ يجتمع المسجدُ والحبُّ والخُمُرُ السود؟
لهذا الشعرِ قصة ظريفة وهي أن بعضَ التجارِ قدم المدينةَ المنورة، ومعه حِمْلٌ من الخُمُرِ السود، فلم يجد لها طالبًا، فكسدت عليه وضاقَ صدره، فقيل له: ما ينفقها لكَ إلا مسكينُ الدارمي، وهو من مجيدي الشعرِ الموصوفين بالظرف والخلاعة. قصده التاجرُ فوجده قد تزهدَ وانقطعَ في المسجد، فأتاه وقصَّ عليه القصة، فقال: وكيفَ أعمل وأنا قد تركتُ الشعرَ وعكفتُ على هذهِ الحال؟ فقال له التاجر: أنا رجلٌ غريبٌ، وليس لي بضاعة سوى هذا الحِمْل، وتضرع إليه، فخرجَ من المسجدِ وأعاد لباسه الأول وأنشدَ ثلاثةَ أبياتٍ وهي:
قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ
ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ
قَد كان شَمَّرَ للصـــلاةِ إزارَهُ
حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ
رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصـــيامَهُ
لا تَقتُليهِ بِحَـــقِّ دِيــنِ مُحَــمَّدِ
فشاعَ بين الناسِ أن مسكينًا الدارمي قد رجعَ إلى ما كانَ عليه، وأحب واحدةً ترتدي خمارًا أسود، فلم يبقَ بالمدينةِ فتاةً إلا وطلبت خمارًا أسود، فباع التاجرُ الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه، لكثرةِ رغبةِ النساءِ في الخُمُرِ السود، فلما فرغ منه عادَ مسكين إلى تعبده وانقطاعه.
كان هذا أولَ إعلانٍ في التاريخِ يحث الناسَ على شراءِ بضاعةٍ كاسدة ومزجاة. أما عندما تحولَ التلفاز والشعر إلى كل الألوانِ صارت كل البضائع رائجةً وغاليةَ الثمن.
ثالثةً كنت أتلصصُ عليها من قرب، وهي فن ذاك الذي جعل من كتاباتي خُمُرًا سوداء بعتها في زمنِ القحط "الأستاذ عبد العظيم شلي". في فنه اجتمعَ المسجدُ وحب الله. كلما رأيتُ ما ينقش من إبداعٍ في المآذنِ، وضعتُ يَدَيَّ في نحري وقلتُ: يا ربِّ لِمَ تعطني ما أعطيته؟



