يعتبر العمل الاجتماعي أحد أبرز حقول العمل الإنساني الحديث، الذي ينتشر على نطاقٍ واسع في الآونة الأخيرة وفي كافة دول العالم.
يقوم العمل الاجتماعي على مجموعة من المقومات التي تجعل منه عملًا متكاملًا يسعى لخدمة البشرية في المرتبة الأولى من خلال تحقيق العديد من الأهداف الاجتماعية المرغوبة، التي تلبي احتياجات المجتمع، والتي ينتج عنها تغييرات إيجابية واضحة على المستوى الفردي والمجتمعي.
ونظرًا لأهمية "التطوع" في حياة المجتمع، فقد قامت الأمم المتحدة بتخصيص يوم عالمي للاحتفال به تحت مسمى "يوم التطوع العالمي"، أو "اليوم الدولي للمتطوعين"، والذي يصادف اليوم الخامس من شهر ديسمبر من كل عام.
الهدف الرئيسي من هذا الاحتفال هو شكر المتطوعين على مجهوداتهم، إضافةً إلى زيادة وعي الجمهور حول مساهمتهم في خدمة المجتمع.
لا شك أن الدعم المادي مهم جدًا لإنجاز المبادرات القائمة، وتدشين مبادرات وبرامج جديدة من شأنها خدمة المجتمع، وتطويره وإظهاره بالصورة التي يستحقها، والتي تتناسب وتعكس الجانب التقافي والحضاري للمجتمع وأفراده. مهما كان إسهامك ضئيلًا في نظرك، ثق تمامًا أنه في غاية الأهمية لتلك اللجان التطوعية، وسَيُساعد وبشكلٍ كبير في دعم المبادرات الهادفة واستمراريتها في تنمية المجتمع.
استشهد في هذا المقام بمقولة أمير الفصاحة والبلاغة الإمام علي (ع): "لا تستحِ من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه".
يجب علينا أن نُدرك أن خدمة المجتمع لا تقتصر فقط على الدعم المادي، فالمجتمع مليء بالطاقات التي من شأنها أن تَلعَب دورًا بارِزًا في تنمية المجتمع؛ وهذا ما يعكف عليه الكثير من أبناء المنطقة الأوفياء في توظيف إمكانياتهم كلٌ حسب اختصاصه، ومجاله العملي وخبرته العلمية والمهارية، لتلبية احتياجات أفراد المجتمع من خلال تنظيم حملات توعَوِيَة وبرامج ومهرجانات ثقافية وأنشطة رياضية متنوعة.
يجب أن نعترف بأن مثل هذه الفعاليات كان ولايزال لها الأثر الكبير في إحداث تغيرات إيجابية على المستويات الفردية والمجتمعية، فزيادة الإثراء المعرفي والثقافي هي الطريقة الصحيحة لخلق مجتمع واعٍ وآمن ونظيف.. اللجان الأهلية تعمل وفق ضوابط مُعَينة وبموافقة الجهات الرسمية، فدورها مكملٌ لِجهود الجهات المَعْنِيَة وتحت مظلتها.
على سبيل المثال: الكتابة على الجدران (الشَخْبَطة) وتشويه الأماكن العامة هو سُلوك غير حضاري، وكثيرًا ما شوه جمال شوارعنا وحدائقنا وبيوتنا، وفي واقع الأمر فإن هذا التصرف غير المسؤول يَعْكس ثقافة وبيئة الفاعل. بل صَنَفتهُ بعض الدراسات على أنه حالة نفسية ويجب الالتَفاتُ إليها.
مرتادو كورنيش القطيف والذي يُعد متنفسًا لأهل المنطقة والزوار في مُختلف الأوقات والمناسبات، يدركون حجم الجهود المبذولة من قبل أبناء وبنات المنطقة الغيارى والتي حولت تلك الشَخَابيط العشوائية إلى لوحات فَنِيَة جميلة تَسرُ الناظرين. سَلِمت تلك الأنامل التي أضفَت جمالًا وإبداعًا على لوحة الخالق.
كل الشكر والتقدير والامتنان والاحترام إلى فريق منارات مُشْرِقة، والذي يقوم بجهود جبارة على مستوى محافظة القطيف، فبنورهم ولمَساتهم أصبحت منطقتنا أجمل.. لعل المشروع الأبرز في الوقت الحالي هو صيانة المكتبة العامة بالقطيف والذي بَثَتْ إحدى القنوات الفضائية المعروفة على مستوى العالم العربي تقريرًا مُبسطًا عن المشروع وعن فريق العمل بقيادة ولاية آل فريد.
الإيثار وحب العطاء وتحقيق الخير للآخرين من أجمل الصفات التي قد يتّصف بها الإنسان، وإنني فخور بأن تكون ابنتي "ورد" ذات الأربعة عشر ربيعًا، من ضمن هذه المنارات، التي كرست جهودها ووقتها وطاقتها، لِتُشِعَ نورًا على مجتمعها، فهنيئًا لمُجْتَمَعات تَملُك مثل هذه الكوكبة والنماذج المُشَرفة من شُبان وشابات.
لا يخفى على أحد حَجم الكنوز المَعْرفية الموجودة في المكتبة، وهذا ما جعل فريق منارات مُشْرِقة بالرغم من قلة المصادر والدعم المادي، يأخذ على عاتقه مسؤولية تطوير البيئة المحيطة بالمكتبة، وجعلها صالحة لمرتاديها ومُحَفِزة للقراءة والاطلاع.. العمل على صيانة المكتبة العامة بالقطيف لايزال قائمًا على قَدم وساق وباب المُساهَمَة مفتوح لكل من يرغب بالمشاركة، ويكون شريكًا وجزءًا من هذا العمل العظيم.
كلنا تفاؤل وأمل أن يقف المجتمع وكما عودنا وقفة صادقة مع فريق منارات مُشْرِقة، من أجل إكمال هذا المشروع الذي من شأنه أن يكون متنفسًا ثقافيًا، ووجهة يقصُدها كل باحث عن المَعْرفة والاستفادة من ما تحتويه من مصادر علمية متنوعة.
نحن ننتمي إلى مُجتَمعات شَغُوفَة بالعمل التطوعي والخيري من منذُ قديم الأزل، حتى أصبحت القطيف نموذجًا يُضرب به المثل في العمل الاجتماعي المُنَظم. أتذكر قبل بضعة سنوات أن بنك الدم أرسل نداء استغاثة لتعويض النقص الحاد في بعض فصائل الدم، فهبت الحشود لتلبية النداء، مما جعل المستشفى يصدر بيانا في نفس اليوم ليُعلن فيه الاكتفاء وذلك لوجود أعداد كبيرة من المُتَبرعين.. نعم هكذا هم أبناء وبنات المجتمع القطيفي في وقت الشدائد (أهل نخوة وفزعة)، والأمثلة التي تُجسد مثل هذه المواقف كثيرة.
منارات مُشْرِقة مجرد فريق واحد من بين عشرات المجموعات العاملة في المنطقة، يجب علينا كأفراد ومؤسسات وكمجتمع حاضِنْ لمثل هذه النُخبة من الكَوادر الرائعة، والمبادرات الهادِفة والنافِعة تهيئة الظروف المُلائِمة للجان الأهلية من خلال الدعم المادي والمَعْرفي، والتشجيع والمشاركة بشتى أنواعها، وذلك لضمان استمرارية ونجاح تلك المبادرات الاجتماعية والإنسانية، والتي من شأنها أن ترتقي بمجتمعنا وأفراده إلى صفوف المجتمعات المتقدمة.
تسْلم كل الأيادي التي بِإِيثَارِهَا وعطائها وعملها ودعمها وأفكارها أرسَت ثقافة وقواعد العمل الاجتماعي لِتَبقى رمزًا يتوارثه ويسير على نهجه وخطاه الأجيال.. تسْلم كل الأيادي التي مازالت تعطي بسخاء وتعمل بجد من أجل مجتمع أفضل.



