12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أدبُ الصغار

في أدبِ الصغارِ الذي كان يقرأه علينا الكبارُ دون أن نعرفَ ما وراءَ القصةِ سوى "كان يا ما كان"، كان الكبار يقصونَ علينا حكايةَ سباق الأرنب والسلحفاة. تختصر القصةُ الظريفة فوزَ السلحفاةِ البطيئة على الأرنبِ الذي اطمأنَّ لسرعته، أكل الجزرَ ونامَ لكنه ماتَ كمدًا حينما سبقتهُ السلحفاةُ إلى خطِّ النهاية. قرأناها في الصغرِ في أنها رمزٌ للجد والمثابرة وعدمِ الاستسلام ولكن ما فاتنا في الصغر أنها حكاية البعدِ الرابع "الزماني" الذي هو ينبوعُ وعينُ الحياة، بل هو الحياة.

يُعرف أنَّ في الكونِ ثلاثة أبعاد: بعدُ السين، بعدُ الصاد وبعد العين. هناكَ أبعاد أكثرَ من هذه الأبعادِ الثلاثة التي ألفناها لكنَّ أدمغتنا لا تفهم كيف تنظر لأكثرَ من ثلاثةِ أبعاد، ومن هذه الأبعاد البعدُ الزماني. هذا البعد الذي تكون فيه حياتنا أشبهَ شيءٍ بسلسلةٍ من أحداثِ الأفلامِ السينمائية لكنها حقيقة. في هذا البعد يتغير شكلُ أجسامنا وأفكارنا وتنتهي أيامنا على الأرض، ولا ينتهي البعدُ بانتهاء حياتنا.

نستطيع التحركَ في كُلِّ الأبعادِ وفي كثيرٍ من الكميات لكننا لا نستطيع الرجوعَ للوراءِ في الزمن، إذْ الزمن لا بد أن يكونَ كَمًّا إيجابيًا. نستطيع أن نرتقي السلالمَ وننزل منها، نسافر آلافَ الأميالِ ونعود، فقراءَ ويأتينا المال ثم يذهب، لكننا حينما نكبر ثانيةً أو سنةً لا نستطيع أن نعودَ فيها ولو بذلنا كل ما نملك من مال. نحن الآنَ في الشتاء، ينتهي ويأتي الربيعُ ولكن ربيعُ سنةٍ أخرى!

الأرنب والسلحفاة ربما هي أنا وأنتَ في كليلة ودمنة الحيوانات وربما هي مجتمعاتٌ وأمم، نامَ بعضها وواصلَ البعضُ السيرَ دون توقف. من نامَ بكى على مجدٍ أضاعه، ومن سارَ صنع مجدًا جديدًا. يدُ القدر تقول: أعطيتكم كل الجهاتِ تتحركوا فيها وألزمتكمْ بواحدٍ تركته لي. سوف أعطيكم الفرصَ لتذهبوا وتعملوا وتحبوا وترحلوا، لكن ليس إلى ما لا نهاية كما في خطِّ الأعداد والأرقام، يوماً ماذ سوفَ تصطدمونَ بنهايتكمْ في البعد الرابع وتعودونَ لي.

ينصحك الناس بالراحة في البعد الرابع وكأنهم ينضحونَ من بئرٍ لا تنضب بينما الحياة تنادينا: ما ذهب لا يعود، قوموا واستقبلوا كل نهارٍ جديد، ليس للعزمِ حدود:
أتصحو أم فؤادكَ غـيرُ صـاح
عشـية َهمَّ صحـبكَ بالـرواحِ
تقُولُ العاذلاتُ: عَلاكَ شَيْـبٌ
أهذا الشيبُ يمنعني مراحي

عندما تكون هناك ثقوبٌ يمكننا العودة منها والسفر إلى الماضي، لا بأس أن ننامَ نومَ الأرنب، لكن هذا المستحيل لن يتغيرَ في حياتنا القصيرة. من أساطيرِ البعد الرابع أن أبا عبد الله محمد الثاني عشر، آخر ملوك الأندلس المسلمين (١٤٦٠ - ١٥٢٧م) ألقى نظرته الأخيرةَ على غرناطة من مكانٍ ما زال معروفًا باسم (زفرة العربي الأخيرة) وبكى فقالت له أمه "عائشة الحرة":
"ابكِ كالنساءِ على مُلك لم تحافظ عليهِ كالرجال".

ليسَ أبلغَ من من وصايا الرسول محمد (ص) في البعد الرابع: "اغتنم خمسًا قبل خمس؛ شبابكَ قبل هرمك، وصحتكَ قبل سقمك، وغناكَ قبل فقرك، وفراغكَ قبل شغلك وحياتكَ قبل موتك".


error: المحتوي محمي