أحرفها الكلمات، ظلال من الماء، تختزلها استشراف المعاني، الحبلى بالدهشة الشعرية، لها لمساتها الأفقية، تتقاطع عرضيًا، لتكون ألوان قوس قزح، ما بين غيماتها الزرقاء. الأديبة الشاعرة أمل الفرج، في حوار مع «القطيف اليوم»، تؤكد أن الشاعر يستطيع بشعره أن يرفع من قيمة الإنسانيّة، وأن يحفر حضاراته في سجّل الحياة، ليبقيها ناصعة لنفسه وأرضه وللأجيال القادمة.
س: عرفينا على بطاقتك الشخصية والعلمية والأدبية؟
ج: أمل عبد الله الفرج، من مواليد محافظة القطيف -القديح-، زوجة وأم، حاصلة على شهادة البكالوريوس تخصص لغة عربية، أديبة وشاعرة.
س: متى بدأتم الكتابة الشعرية، وما أول نص بزغ ما بين أناملكم؟
ج: تشكُّل الذات الشعرية يشبه -نوعًا ما- الخلق الأول بكلِّ غيبياته ولذة تكوّنه وانثيالاته النفسيّة الفارهة، والتي من شأنها أن تؤثث ظلالًا تسكن إليها النفس لتهنأ، وكأي محاولة أولى تبدو البدايات خجولة والنصّ مرتبكًا، كان وجدانيًا، أتذكّر منه:
يا ربيعًا قد ذبتُ فيه حنينا .. واشتياقًا وبهجةً وحبورا
كيف لي أنْ أهيمَ فيكَ وقلبي .. عانقتْهُ خيوطُ شمسكَ نورا
فعذابُ الهوى يداعبُ روحي .. فيُخيلُ العذابَ نهرًا غديرا
س: في بداية مشواركم الأدبي، بمن تأثرتم من الشعراء؟
ج: من آنذاك وللآن كثيرون مرّوا بوهجهم الشعريّ، وكثيرون أثروا ذائقتي، وكثيرون التبسوا بدهشتي، كانت دواوين المتنبيّ وصفيّ الدين الحلي والجواهري وجمال الدين وجواد جميل لصيقة بالشغف القرائيّ، تأثري بهم كان مسندًا للأصالة والجمال الذي أحب.
س: لكل إنسان قدوة، أيهم يمثل قدوة لديكِ شعريًا؟
ج: لا قدوة محضة في الشعر! فهنالك شعراء وأدباء تعيشهم في مرحلة عمرية ما؛ فيخبو بعد ذلك هذا الشعور، وهنالك كذلك من يفيض عليك بجماله، فيسكنك عمرًا، لكن كلّ هؤلاء سيكونون رهن الانطباعيّة النفسيّة، فالحلقة الأقوى ستكون الذات الشعريّة المليئة بالثراء المعرفيّ والجماليّ، الذي يحفّزني على الانتصار على رتابة النبض فيّ.
س: ولادة الكلم نصًا في دنياكِ الشعرية، أثمة موعد لحبات المطر باتجاه الغيم، لتهديها التربة الخصباء، أم تأتي، كبرق بلا ميعاد؟
ج: في الغالب لا موعد، فقد يطرق قلبك ليزورك في وقت لا تريده ولستَ مستعدًا له، وقد تستحثّه مرارًا وتتزلّف له، فيشيح بوجهه عنك، وقد تأمره ويعصيك. كتابة الشعر والخوض في متاهات النفس ولماذات الخيال ليس ما يخطط له سابقًا، بل لابدّ من إلحاح روحيٍ، يجعلك تخضع لهذه العملية الكتابية الصعبة، لتبدع وتكون متميّزًا ولا تنتج شيئًا مكررًا وباهتًا.
س: لكل شاعر بوابته في ارتشاف المعاني، الدفء أحرفها، بالنسبة لكِ، ما علاقتك بالكلم شعريًا، ليختزلها المعنى، أتكون مباشرة، أم ضمنية؟
ج: الأبعاد الرغائبية للشاعر متسعة جدًا، أيّها تطرق ستجدك! لهذا فإن مناورات الإبداع الشعريّ مرهونة بالخيال ومسكونة بالتحليق خارج السّرب، وبحال وبآخر، فالشاعر يزفر قصائده بروحه وينفثها من فوّهة حلمه ويهدهدها بنبضه، فللشهقات الشعريّة إيحاءات كبرى وتجليات أكبر، قد نراها غائمة تارة وشفيفة أخرى، وبالطبع ليست مُباشرة ولها لغزها الشهيّ، الذي يستفز المتلقي، لأنها استجابة للجمال المكنون المستوطن في ذواتنا، فإن كان مباشرًا فقد بريقه.
س: يقال إن المواقف تفجر الحالة الشعرية لدى الشاعر، ما أبرز موقف كان الملهم لقصيدة ما؟
ج: بعد فقد أبي وأختي، كان الحدث الأكبر، هو ذاك الذي تعرّضت له بلدتي القديح.
س: ماذا تعني لكِ الدهشة الشعرية في القصيدة؟
ج: الشّعر الحقيقيّ لا يكفّ عن الإبهار والإدهاش، تلك الدهشة التي تنتصر في الروح وتحرّكها وتشعل فيها الانجذابيّة اللذيذة، تلك الشهقة الحُبيّة التي لا تستنفد طاقاتها بل تنهمر بالسحر، لذا سأبحث عنها وعن وخزاتها فيّ وفيما أقرأ.
س: أدبيًا، كيفية التواصل مع الشيخ الأديب علي الفرج، وهل له بصمات في مسيرتك الأدبية شعريًا؟
ج: بين الفينة والأخرى نكون على موعد شعر، نتصافح النبض فنبتسم حبًا، بصماته جليّة في البدء، إذ كانت كاريزما حرفه موحية جدًا.
س: ما هي إصداراتك الشعرية، وهل ثمة جديد قادم؟
ج: لا أزال أعاني من كسل طباعيّ حاد، دواوين عدة، طبعت واحدًا فقط منها، وبين يدي ما ينتظر أن أدلّه على طريق دار الطباعة والنشر، ولكن قاتل الله الكسل.
س: هل شاركتم في مسابقات أدبية، تُعنى بالشعر، وما أبرز الجوائز التي تم تحقيقها، وأيها الأقرب إلى القلب؟
ج: لي مشاركات عدّة في عدة دول عربيّة، وقد حزت مراكز متقدّمة في العديد من المسابقات الشعريّة، كمهرجان نجوى الغيب الإنشادي، ومهرجان ترانيم، ومسابقة الغدير، وأدب الطف وشاعر الحسين، وشاعرة الحسين وأبي تراب وموقع النور وغيرها، وأقربها لقلبي جائزة القطيف للإنجاز.
س: هل تمارسين موهبة أخرى، بعيدًا عن الشعر؟
ج: المواهب هبة الله وأرقاها موهبة الشعر، وأنا -لله المنّة والحمد-، أملك الدافعيّة ومملوءة بالطموح وأحاول أن أبدع فيما أحب من مجالات أخرى قد لا تكون أدبيّة.
س: من أبرز الشاعرات اللاتي عاصرتهن في بداياتك الشعرية، والآن؟
ج: عاصرت مجموعة جميلة من الشاعرات، كانت تجمعنا أمسيات ولقاءات وأندية -وما زالت إلى الآن تجمعنا-، مثل نهى فريد وإيمان دعبل ونورا النمر وغيرهن.
س: في بضع كلمات، ماذا تعني لك هذه الجمل؛ الوحدة أنيس الكلم ـ اللحظة الشعريّة ـ غياب الشاعر عن النص ـ الشللية ـ الصورة الجمالية ـ بلاغية النص؟
ج: الوحدة أنيس الكلم، نعم، الوحدة الخلّاقة، التي تدعو للاستغراق في تأمّل الروح والحياة والكون وفي كلّ قيمة جوهريّة للجمال، وليست العزلة المنطوية، الشاعر ينسج شعره ليعيش اللحظة الشعرية. اللحظة الشعريّة تفرض نفسها بإلحاح، ولا مجال لمعايشتها إلا بالكتابة بدلالات بسيطة مفتوحة، أو بعمق ملغوز. غياب الشاعر عن النص، النصّ ابن الشاعر ووليد فكره ومترجم وحيه، إن غاب الشاعر عن نصّه فقد يفقدان -الشاعر والنصّ-، لذة الصدق بكلّ نزعاته الذاتية وتداعياته الانطباعية. هنا فقط نشعر بكلمة "النَفَس". الشللية، مرض، ينخر في الكثير من المؤسسات والمنتديات، وهي تقضي على الكفاءة وتستقصي الأكفأ. الصورة الجمالية، زاد الشعر وعصب النصّ الأدبي، النص الكلاسيكي، إن لم يحرّك النصّ من كينونة الإحساس، فهو نصّ ميت. بلاغية النص، البلاغة ماهيّة وأداة لا تنفك أهدافها وغاياتها عن رصد النواميس والضوابط المتحكّمة في إنشاء النص الأدبيّ، فبالبلاغة نتحسّس قيمة النصّ وشعريّته، التي جعلته يتمايز فيعلو على غيره من الكتابات.
س: هل تتميز القديح بوجود شاعرات، إن وجدن، من يكن؟
ج: دون ذكر أسماء، تحتضن القديح ثلّة رائعة من الشاعرات، لربما أسدل الإعلام ستاره عليهنّ، ولكنهنّ منجزات ومجيدات.
س: القصة القصيرة، والرواية الأدبية، أين موقعك الإعرابي منها، قارئة، أم كاتبة لها، أم لا تعنيك تفاصيل فستانها؟
ج: قارئة فقط.
س: ما علاقتك بالنقد الأدبي، ومن مِن كتاب النقد، تتابعه الشاعرة أمل الفرج؟
ج: النقد هو إضافة معرفيّة وفلسفيّة للنصّ الشعريّ، وهو كذلك حالة إعاشة ومعايشة لاقتناص المعنى والبؤر الجماليّة واستكشاف مكامن الضوء في العمل الشعريّ وقيمته الدلاليّة، لذا فإنّ الحالة الاشتغاليّة للناقد، هي حالة استشراف وتجلٍّ، وكل شاعرٍ يحتاج إلى ناقد وعوامل نقد تدعمه وتتلاقح مع رؤاه الإبداعيّة، وبالرغم من أني أخشى النقاد نوعًا ما إلا إن لي قراءات متواضعة جدًا في مجال النقد، أحاول فيها أن أتلمّس التأويل الجماليّ للنصوص.
س: أين تكمن المسافة ما بين القصيد والتغيير الاجتماعي والثقافي والعاطفي، أتكون القصيدة تحمل رسالة ما، أم تأتي ذاتية، لتعبر عن المشاعر، استلطاف اللحظة الشعرية ومتعتها، لا أكثر؟
ج: كل ذاك، هي القصيدة، فالشعر اجتراح الوجود بشكل أرقى، وأرقى للحدّ الذي يجعل الكلمات والحروف شيئًا قابلًا للحياة، له تداعياته وانثيالاته وقربه الجذريّ منا، فالمسافة قدَر بوحيٌّ استطاع أن يؤثث ذوات صنعت التاريخَ والإنسانيّة.
س: هل استطاعت القصيدة الشعرية في محافظة القطيف، في جانبها النسائي، الوصول إلى مرحلة الإبداع، أم لاتزال رهينة العتبات الأولى، نضوجًا شعريًا، وصياغة جمالية المرايا؟
ج: لا تزال الأنثى هي السرّ الوجوديّ الأوّل للنصّ الشعريّ، وما فتئ الشعراء والشواعر في استدرار الجانب الأنثويّ في المنجز الشعريّ وموضعته بجانب التوليفة الكونيّة، ولم تكن شاعرات محافظة القطيف بمعزل عن هذا التوظيف الراقي، فبرزتْ الشاعرة القطيفية، وأصبحت بمصاف الشعراء، وإن كان المشهد النسائي الأدبي يفتقر نوعًا ما للفعاليات الأدبية، التي من شأنها أن تعزّز من مستوى وعطاء الشاعرة القطيفيّة.
س: في نسيجك الشعري، أيكون القارئ هاجسًا في امتداد نافذتها، أم الإبحار في الذات، تيهًا، يشبه اليقظة، كحالة إلهام، أو شبه غيبوبة، يا ترى، أين يكمن؟
ج: لم يكن القارئ هاجسًا بقدر ما يكون ظلًا أتحسس كلماتي للوصول له بشفافية أكبر وبألم وأمل أكثر، لأنّ الشعر بالنسبة للشاعر، هو ذاك الوجع الأبديّ الذي لا يمكنه الهروب منه إلا إليه، هو وطنه الشفيف حين تضيق به أوطان الدّنيا، ومن لا يتخذ من الشعر رهانًا قويًا، سيخسر رونق حياته وأناقة قلبه، لذا أعوّل كثيرًا على الشعر في أنسنة ما أشعر، وما أرنو إليه، بالشعر وحده أجد "أمل"، كما أحب أن أراها، وكما يرضيني أن أراها، ولن يكون ذلك إلا بقارئ يشعر بما يقرأ ومتلق يقدّر ما يتلقّاه.
س: إذا ممكن، تتحفينا بعض كلمات من بساتين قصائدك الشعرية؟
ج: وفي عليّ وحده .. يرتقي الحبّ
لا تقفلي الغيمَ ذا الفلاحُ ينتظرُ
غَداةَ أوجعَهُ في شطِّهِ القدرُ
لا ترحلي؛ ربّما نذرُ المزارِ أتى
ما بين أمنيةٍ .. فالشطُّ ينحسرُ
مرّي على خصرِ هذا الكونِ واغتسلي
من التلاوةِ ، فيضي .. هكذا الوطرُ
هيا تعالي .. أنا الينبوعُ فالتقطي
دعابةَ الماءِ واسقي مَن سينتظرُ
واستدرجي الطينَ من أضلاعِ همهمةٍ
يشتاقُها نجفٌ .. يشتاقُها نظرُ
وسبِّحي، فهنا الأعلى التي ارتطمتْ
بهِ الحياةُ فكانتْ، وارتقى القمرُ
يا مُطلقَ الحُبِّ مجذوبٌ إليكَ دمي
لم أخترِ العشقَ، لا يجدِي بهِ الحذرُ
يا جاذبيّتهُ؛ لحَّتْ على خلَدي
وشكّلتني نبيّاً زِيُّهُ سُورُ
و"يا عليًّا" تغنيتُ الهوى عُمُرًا..
وبينَ أهدابِ مَنْ صلى جرى الوترُ
عبرتُ كلَّ مجاهيلِ الحياة لكي
تبقى معي لثغتي لو قادني الأثرُ
نتوهُ في بعضِ أقدارٍ وهمهمةٍ
وفتنةُ الولهِ الكبرى ستنتثرُ
بنا لقاءٌ قديمٌ منذُ أنْ نضجتْ
روحي على الحُبِّ، لا جنٌ ولا بشرُ
يا سيّدي .. هكذا أدعوك ليس سوى
هذي الولايةِ في قلبي ستنتصرُ
على يقينكَ حدَّاءُ الخيالِ سرى
بغادةِ اللهِ فاستهدى له الشجرُ
وراحَ يغرقُ في ألواح أمنيةٍ
رصّت سماواتهِا والملتقى دسُرُ
تحوكُ هذا التجلّي في الغريِّ إذا
تمرُّ عاصفةٌ والشوقُ ينبهرُ
في زُرقةٍ من عباراتٍ ومئذنةٍ
ما مسّها الغيمُ إلا وانحنى المطرُ
و"يا عليًّا" أنا البحّارُ ما ارتعشتْ
في خاطري همهماتٌ للذي عبروا
في خاطري لغةُ الأمواجِ أعرفُها
وأرتشيها بطينٍ منكَ يقتطرُ
يا أرخبيلًا من الآياتِ سالَ على
شفاهِ مَن صارعوا الدُنيا وما انكسروا
معبّأون بِـ "يا الله" يغمرهمْ
مِن مُفرداتكَ ضيٌّ منك ينتهرُ
ومن تكاوينِ ذاكَ النورِ سقسقةٌ
حتى السماواتُ بالتغريدِ تشتهرُ
نحنُ الذينَ اختبرنا الحبَّ فانهمر
الشّلالُ بالضوءِ والأرقام تختصرُ
نحنُ المُدانونَ بالإشراقِ من لغةٍ
وذا الـ "عليُّ" بهذا الفجرِ ينحدرُ
رهنُ النداءِ "وياءاتُ النداءِ" طغتْ
على الأموماتِ والأصلابُ تفتخرُ
ما زلتُ طفلًا أنيقًا في تعطّشهِ
للبوحِ لكنما الأعمارُ تستترُ
وليس إلاكَ يعنو النبضُ، يكبرُ في
حبّاتِ عمري وبالأنفاسِ ينصهرُ
فالحبُّ مغفرةٌ، والبوحُ مغفرةٌ
والشعرُ مغفرةٌ .. تُهدى لمن عبروا
س: كلمة أخيرة لك، ما هي ولمن توجهينها؟
ج: يستطيع الشاعر بشعره أن يرفع من قيمة الإنسانيّة، وأن يحفر حضاراته في سجّل الحياة، ليبقيها ناصعة لنفسه وأرضه وللأجيال القادمة، لذا فالتوغّل في الشعر حسًا وكتابةً بحر لا يحد، كما هو الجمال كذلك لا يحدّ، كلّما ارتشفنا من سمائهِ تعطّشناه أكثر، أرجو أن لا تسرقني الحياة الماديّة عن ممارسة الشّعور الحقيقيّ للحياة الحقيقية، الشعر، الأمّ ومن ثمّ الأمل. كلّي شكر لكم على هذا الحوار، وتحية تفيض بالدعاء بالخير.



