ما بعد الانفصال مرحلة صعبة على الزوجين مهما كانت أسباب الطلاق، وخصوصًا على المرأة، وذلك لنظرة المجتمع السلبية تجاهها، وإن كانت هي الطرف المتضرر، ولا يعلم مدى ما ستواجهه الكثير منهن من تجربة مرة، فما بين مطامع من معها في العمل لاعتقادهم الدنيء بأن هذه المرأة المحطمة نفسيًا وعاطفيًا فريسة يسهل اقتناصها، ونظرات الشك والريبة حتى في وسط أسرتها بما يشعرها بالذل والانتقاص من شأنها، بخلاف ألسنة حداد لا تبقي ولا تذر من التقولات والتخرصات والافتراءات.
الحديث عن عذابات المرأة المطلقة وحياتها القاسية ليس بتحيز أو محاباة، ولكنه تسليط الضوء على من كانت تعيش حلم العش الزوجي السعيد الذي يضم بين جنباته الأمان والاهتمام والعواطف، وإذا بها تواجه واقعًا لا تبرح تنزف فيه من ألم ومرارة الصدمة والنفق المظلم المجهول الذي آوت إليه.
إنها ضحية ما أصدرته عليها محكمة العرف الاجتماعي، والذي حكم عليها بقضاء أيام سوداء تتحاتت فيها أوراقها، لا لتستقبل فصلًا جديدًا يحمل أجواء الحيوية والنشاط والتجدد، بل لتذبل وتصارع الأجواء الضاغطة عليها نفسيًا في المستقبل.
في عرف مجتمع يصادر قرارها ولا يمنحها أهلية اختيار ما تراه مناسبًا لها، بل لا يستمع إليها أحد ولا يقبل منها فكرة الانفصال بعد معاناة وحياة قاسية فقدت فيها كرامتها وحيويتها وحقها كإنسان يعامل باحترام، بل يلقى على كاهلها كامل المسئولية عن الإخفاق في العلاقة الزوجية، بينما يختفي الاحتفاء والإشادة بدورها الكبير في إضفاء السعادة والأمان على عشها الزوجي وتجنيبه اهتزازات الخلافات.
النظرة الخاطئة لدورها في العلاقة الزوجية هو تحميلها دور صمام الأمان للبيت الزوجي لوحدها مع تخلية الزوج من أي دور، ولذا عليها تحمل كل أخطاء زوجها وتعامله القاسي التعنيفي باستمرار، ولا يقبل منها الأنين والشكوى من قسوته وجفائه وإهماله لمشاعرها أو تركه للاهتمام بها أو ظلمه لها.
وتتولد الضغوط المتزايدة عليها عندما ترزق بأبناء، فعند أي شكوى منها ولو على مستوى العنف الجسدي واللفظي المتكرر بشكل شبه يومي، تسلط الأضواء على حفاظها على أولادها وإبقائهم في أحضانها والتضحية من أجلهم، وكأنها آلة لا تستنزف منها القوى ولا تنهار أبدًا مع مدى ما يبديه ويتعامل به من تعسف وإهانات وتعالٍ ومصادرته لوجودها كإنسان تحفظ كرامته، بل يتصور منها الصبر لأبعد الحدود.
فالزوجة في بيت زوجي يشبه الجحيم وخالٍ من أي جاذبية وإحساس بالهناء، ومقاساة ما بين مطرقة تحمل الإساءات مهما تعاظمت وتكاثرت، وبين سندان الاتهامات الجاهزة لها بوصفها شخصية ضعيفة، إذ لم تستطع احتواء زوجها والمحافظة على تاج السعادة وحلم كل فتاة وهو العش الزوجي، فالمطلقة - في عرف البعض من المجتمع - شخصية سلبية لا تقوى على أداء دورها بإدارة الحياة الزوجية وفق الطاعة وإسعاد الزوج دائمًا بغض النظر عن نمطيته!!
وتعاني من تخوف أسرتها من إطلاق الإشاعات والنظرة المجتمعية الدونية للمطلقة، فظل رجل - وإن كان متزمتًا ومتعاليًا ومريضًا نفسيًا يتولع بأذيتها والنكد - أفضل من إطلاق رصاصة الموت عليها بوصفها مطلقة، فليس لها إلا المعاناة مهما بلغ مستواها.
لا نقصد بذلك التشجيع على التساهل في طلب الطلاق من المرأة أو الرجل لأتفه الأسباب، أو استسهال قضية الانفصال حتى باتت اليوم نوعًا من التهرب من المشاكل عند البعض، فبدلًا من معالجة أسباب الخلاف وتحمل مسئولية الحياة المشتركة والمحافظة على استقرار علاقته الزوجية وألقها، فإنه لعدم امتلاكه أدوات التسامح والاعتذار ومعالجة الخلاف والتشنج تراه يتجه إلى أقصر الطرق عنده وهو الانفصال ظنًا منه أن ذلك يجلب له الراحة!!!
بل هو تذكير بنقطة مهمة يغفل عنها الكثير وهي أن الحياة الزوجية استدامة والانفصال مسئولية مشتركة بين الزوجين، وإذا كانت هناك من خلافات عصفت بعشهما الزوجي وأسقطته من قمة السعادة، فإن معالجتها والحوار حولها يتحمله الطرفان بلا توجيه للوم والإخفاق لأحدهما، كما أن تنمية عوامل القوة فيها من الثقة والانسجام والمشاعر المتبادلة هي مسئولية لا تقع على عاتق أحدهما فقط.
علينا أن نعزز ثقافة الحياة الزوجية المشتركة وتغيير المفاهيم الخاطئة التي شابتها، ومنها تحميل الزوجة مسئولية الأخطاء أو الانفصال، واحترام الزوجة في حقها من الاحترام، وتحمل مسئولية القرار دون مصادرة من أحد.



