في أوديةِ الجهلِ ربما اختلف جوهرُ الأمورِ عن ظاهرها واستدعى التدقيقَ قبل إطلاقِ قذيفةِ الغضبِ أو الرضا. صلى رجلٌ في الليلِ صلاةً أعجبته، وهو فيها سمعَ حركةً وراءَ الباب، فقالَ في نفسه لماذا لا أُرِيَ القادم كم أنا خاشعٌ لله وأخافه! أطالَ العابدُ الصلاةَ ولم يكترثْ ذاك الذي خلفَ البابِ فأنهى العابدُ صلاتهُ وفتحَ البابَ ليرى ولم يكن سوى كلبٌ استجارَ من الرياحِ الباردةِ في الليل.
كُلٌّ منا فيه شيءٌ بغيضٌ من العابد! نقرأ الكتبَ من عناوينها والأصدقاءَ من أسمائها وكم بنينا أملًا يشبه بيوتَ الرملِ التي كنا نبنيها صغارًا على شاطئِ البحر، تأتي الأمواجُ ونتأوه أنَّ ما بنينا انهارَ في أولِ صفعةٍ من الموج. نغفل عن أشياءَ ثمينةً في أيدينا ونغتبط في مصافحةِ كلبِ العابد. قلوبنا وعقولنا تهدينا نحو مصدرِ الصوتِ وتُعلمنا من خلفَ البابِ لو تركناها تعمل حرةً في فطرتها، لكننا نستسلمُ في أغلبِ الأحوالِ لغرائزنَا ونطلبُ الجوائزَ الآنيةَ التي تقدمها لنا بقيةُ الحواسِ من اللذةِ دون انتظارِ أن ينكشفَ النقاب.
لم يفتح مدرسُ أديسون البابَ ليرى ذاكَ المخترعَ البارع خلفَ شخصيةِ الطفلِ البليد. رآهُ طفلًا جاهلًا مثيرًا للمشاكل، متخلفًا بدرجةِ امتياز ومجنونًا بمرتبةِ الشيطان. لم يكمل ثلاثةَ أشهرٍ في المدرسة حتى طردوه، حيث أنه لم يكن كباقي زملائه الذين أرادَ المدرسُ أن يراهم يتعلمونَ ذاتَ الشيء ويأخذونَ ذاتَ الامتحان. كان أديسون مختلفًا عنهم، كثيرَ السؤالِ والشغفِ بالمعرفة، الشيءَ الذي لم يرق لمعلمه الذي ضاقَ به ذرعًا وأرسلَ معه برقيةً لأمهِ يقول فيها إن ولدها متخلفٌ لا يستحق البقاءَ في المدرسة، وبالفعل طُرِدَ من المدرسة، لكن أمهُ فتحت البابَ على الصغيرِ المبدع الذي لم تتسع المدرسةُ أن تحوشَ بين جدرانها ذكاءهُ البارع وبعدها بدأَ الصبيُّ مشوارَ حياته بنفسه ورأت كُلُّ الدنيا من ذاكَ الصبيِّ خارجَ أسوارِ المدرسةِ ما لم ترهُ من المبدعينَ من أقرانهِ داخلَ أسوار المدرسة!
عرفَ الأنبياءُ جوهرَ الأشياءِ قبل الحكمِ عليها وفتحوا البابَ لنوافذِ عقولهم وقالوا لأتباعهم: افتحوا عقولكم قبلَ غرائزكمْ الكريهة. يذكر التاريخُ أن النبيَّ عِيسَى (ع) كَانَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الأَقْوِيَاءِ، وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ سَائِرًا مَعَ هَؤُلاءِ الْجَمَاعَةِ فَأَتَوْا عَلَى جِيفَةِ كَلْبٍ أَنْتَنَتْ فَأَخَذَ الَّذِينَ مَعَهُ بأنوفهمْ حَتَّى اجْتَازُوا الْكَلْبَ، أَمَّا عِيسَى (ع) فلَمْ يَفْعَلْ.
فَقَالُوا بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزُوا هَذِهِ الْجِيفَةَ: مَا أَشَدَّ نُتْنَ هَذَا الْكَلْبِ.
فَقَالَ عِيسَى: مَا أَشَدَّ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ.
فَقَالُوا لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ هَذَا؟
فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ لا أُعَوِّدَ لِسَانِي الذَّمَّ!



