عرفته بين أعوام ١٩٨٢-١٩٨٤م شابًا أسمر في أوائلِ العشرين من عمره، نحيفًا ذو شارب. يدخل الشقة، يجلس، يشعل سيجارةً ثم أخرى قربَ المدفأة يتحاشى بردَ شهر تشرين في مدينة تلسا. تركته عام ١٩٨٤م ولم نلتقِ ولم نتحادث منذ ذلك الحين وكأنَّ الايام حكمت ألا نلتقي مع قرب المسافة بيننا.
بعد مرور خمسة وثلاثون شهرًا من أشهر تشرين، رأيتُ صورته في نعيِ اليوم. كان أشيبًا ممتلئَ الوجه وتحتَ الصورةِ كُتب "ناهز الثالثة والستين عامًا"، الله ماذا تفعل الأيامُ والليالي! يجد الإنسانُ منفعةً في شح البصرِ وضعفه كي لا يرى تجاعيدَ وجهه ووجهَ من يحب وتخيفه. تلك التجاعيد التي تزحفُ قليلًا قليلًا في البعدِ الرابع. لا يزعجنا البعدُ المكاني في أبعادهِ الثلاثة إلا إذا أضفنا إليها البعدَ الرابع "الزمني" ويصبح شكل الجسم في لحظةٍ معينة قد تغير في اللحظة التي تليها.
تمضي السنواتُ وتتغير الصورة، نسأل أنفسنا كيفَ لم نلتق في كل هذه السنوات قبلَ أن نقرأَ خبرَ المناحةِ والنعي في صفحةِ الأموات؟ يجيء القدر فجأةً ويفرق ما التم من شملٍ ويرسم خطًا أحمرَ دونَ أن يلتم آخر. لكل الأصحابِ والأصدقاء سوف يأتي الشتاءُ، خذوا من وراء الغيوم الفرصة والتقوا، سوف تأتي نسمات الربيع اجتمعوا، شابَ صغيركم!
أمامَكَ، يا نَوْمانُ، دارُ سَعادَة ٍ
يَدومُ البَقَا فيها، ودارُ شَقاءِ
خُلقتَ لإحدى الغايَتينِ، فلا تنمْ
وكُنْ بينَ خوفٍ منهُمَا ورَجَاءِ
وفي النّاسِ شرٌّ لوْ بَدا ما تَعاشَرُوا
ولكِنْ كَسَاهُ اللهُ ثوبَ غِطَاءِ



